تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان ذلك الدرس المبتغى للجزيرة ومن فيها وما فيها

2

موضوعا مشتركا بين الأمم التي عرفت العروبة، بما دخل على وجودها منها، فسيكون تعاونها على هذا الدرس عاملا مهيئا لنجاحه، مقويا للأمل المبتغى منه. فهذه مصر، وذاك هو الشام والعراق، والمغرب والمشرق، كل أولئك يعنيهم لكي يفهموا أنفسهم أن يعرفوا هذه العروبة التي جاءتهم، معرفة عالمة طامحة، فليتعاونوا في ذلك كله، يجردون البعوث المشتركة، ويقدمون الدارسين المتساندين المتضافرين، ويؤلفون الجماعات العلمية الكبرى، ويبذلون النفقات المشتركة، ويعقدون لذلك المؤتمرات الدورية، في الجزيرة أو في غيرها من أقطارهم؛ ليعرفوا عملهم في هذا السبيل، ويسددوا خطاهم إلى غايته. وتلك أنواع للارتباط والاتصال فيما بينهم، ليست بالمفتعلة ولا بالمصطنعة، بل هم فيها كالإخوة يجتمعون حول سرير أبيهم أو مائدته، حين تفرق بينهم اتجاهات الحياة وواجبات العمل، وتنوع المشرب، وتعدد الأهداف.

وأحسب أن درس الجزيرة على هذا النحو ليس بالهين اليسير، ولا القصير القريب، تفرغ منه تلك الأمم في جيل واحد، أو بعض حياة الجيل، بل هو - بقدر ما نأمل له من كمال - عمل أجيال وطبقات، وفيه متسع ومنفسح لتآزر القوى وتساند الجهود.

وسيكون كل إقليم من هذه الأقاليم، بفضل ما تمتاز به بيئته الخاصة، عاملا ذا أثر معين في فهم جانب من جوانب هذه العروبة، هو بنفسه أقدر عليه وأبصر به.

وتلك هي الخطوة الأولى من الدراسة الأدبية والتاريخية للأدب الإقليمي، مصريا أو غير مصري، وكل ما يزاول منه، أو قل ما يكتفى به الآن، في مدارس مصر أو غيرها، من درس العصر الجاهلي ليس إلا شيئا مؤقتا، وقليلا وضئيلا، لن يغني عن كثير جليل، صحت النية على تحقيقه، وألزم به المنهج الصحيح.

وبهذا يعد درس العربية في جزيرتها أول ما ندرس من هذا الأدب المصري، وعمادا من أعمدة رواقه. •••

ثم إذا ما اشتركت مصر في هذه الدراسة العامة مع بنات تلك الأم الأولى، فإنها تعود بعد ذلك لتدرس من هذه الجزيرة نواحي صلتها الخاصة بها، وأن لها بالجزيرة العربية من هذه الصلات لكثيرا وكثيرا، فقد سامتتها على شاطئ البحر الأحمر وضاق ما بينهما في الجنوب حتى كادتا تتواصلان، حين اتصل ما بينهما فعلا في الشمال، فكان الشعب المصري الأقدم ذا صلة بهذه الجزيرة وثيقة - مهما يختلف الرأي في أن الذين جاءوا مصر من هذه الأنحاء قد جاءوا من الشمال أو عن طريق الجنوب - وقد اتصل ما بينهما في نواح عدة من نواحي الاتصال التي تعقدها بينهما أواصر قوية، في أساطير مشتركة، وعقائد مشتركة، ومنافع مشتركة، ومعارف مشتركة، وغير ذلك من الشركة. مما يجعل مصر تشعر يوم تصحح أسلوب دراستها أن لها بالبحر الأحمر وحضارته صلة كتلك التي تعرفها لنفسها بالبحر الأبيض، وسنشير إلى ذلك فيما يلي.

وكذلك يتم درس الجزيرة العربية بالنظر فيما يصل مصر بها، من صلات مختلفة في عصور وعهود متعددة، وتكون دراسة هذه العروبة في جزيرتها مادة من مواد فهم المصرية في حقيقتها، وواجبا تفرضه إقليمية الأدب لغير واحد من الأسباب على ما رأينا.

| عليكم بيئتكم

وإذا كانت الجزيرة منزل العربية الأول، ومنها خرجت إلى غيرها من منازل ومواطن جديدة، فالخطوة التالية لدرس الجزيرة هي درس الأوطان الجديدة العربية، أو درس عربية المواطن الجديدة.

والبيئة الطبيعية - كما كررنا - بوتقة الدهر، ومختبر الزمن، يجري فيها تجاربه الإلهية، ويطبع الحياة بنتائج هذه التجارب؛ فتسجلها الأحداث، وتخلدها الوقائع. وما التاريخ كما بينا، إلا الوصف الصحيح الدقيق لهذا كله، وتاريخ الأدب بعض هذا الوصف الصحيح الدقيق، فالواقع الشاهد يرد الدرس إلى هذه الأصول البيئية الواضحة، ويجعل الأخذ بهذه الفكرة في البيئة كما قلنا، قضية العلم في تاريخ الأدب.

في الأدب المصري · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ٣٦