وسيدرك هؤلاء الأدباء حين يدرسون بيئتهم الخاصة أن أساليب بعينها قد تقبلها ذوق الإقليم دون أساليب، وأن فنونا من القول الأدبي شعره ونثره، قد راجت دون فنون أخرى من ذلك، حين تبع هذا ولا مراء، مزاج أهل الإقليم، وأصحاب البيئة، سواء في ذلك الأوائل الأصليون، أو من سكنوا تلك البيئة من الوافدين الطراء عليهم.
وسيكون أهل كل بيئة أقدر - كما بينا - على تتبع ذلك وتلمسه، واستشفاف الخفي الغامض منه، حين يحتاج تفطنه إلى قوة نفسية، ومقدرة وجدانية، هم ورثتها وحملتها.
وسيدرك هؤلاء الأدباء حين يدرسون منطقتهم - في العصر الإسلامي نفسه - أن نصيبها من النشاط الديني والعقلي والأدبي في الإسلام قد تفاوت - ولا بد - عن نصيب غيرها من الولايات أو الأقاليم الإسلامية الأخرى؛ إذا كانت تلك حاضرة دولة عصرا ما، وتلك لم تكن، وكانت هذه جارة قريبة لمستقر السلطان والحكم، حين كانت تلك جارة بعيدة نائية، وهكذا.
وما إن ننكر أن لهذه الحضارة الإسلامية أنماطا موحدة، وأصولا عامة كبرى، قد تأثرت بها تلك البيئات المتعددة المتباعدة تأثرا متشابها ومتحدا، يمكن من تعميم القول، وإطلاق الحكم. ولكن ذلك هو ما لا نقبل أن يكون مصدر انخداع، يصرفنا عن إدراك الزائد الخاص الذي تفردت به كل بيئة تفردا ليس هينا ولا يسيرا في حساب البحث الدقيق والنظر المتمعن. •••
وبالذي وصفنا من دراسة كل قبيل لموطنهم، مع ما تلتقي فيه تلك المواطن من تأثر بالأصول العامة المشتركة، يمكن أن يكون بين أصحاب البيئات المختلفة ألوانا من التعاون والتفاهم، وتبادل الفوائد الثقافية والنتائج الدراسية، تبادلا تتوثق به الصلة بين تلك الأقطار المتجاورة، والجماعات المتحابة، على أساس من الفهم الصحيح للواقع، لا عن ضرب من الدعوة الساذجة لصلة مبهمة متوسعة.
ومن هنا يمكن أن تكون الموضوعات الإنسانية، والمعاني الأدبية العامة، التي عرفها الأدب العربي في تلك المنازل المتعددة، موضع الدراسة المتعاونة بين أصحاب البيئات العربية الإسلامية المختلفة، يبينها كل منهم، ويتحدث بها من عرفها إلى غيره من بني عمومته، فيفهم عنه ويستفيد بدرسه.
وستكون الفنون العربية الخاصة التي امتاز بها الذوق العربي الشرقي، وآثرها الوجدان العربي، ونمتها الطبيعة الشرقية، وحمتها أصول الحضارة الشرقية، وامتاز بهذا كله الشرق العربي، عن غيره من الغرب أو الشرق غير العربي، ستكون مثل هذه الفنون وموضوعاتها مادة درس، يتعاون فيه الأدباء وأصحاب هذه اللغة على اختلاف دورهم، ويتناقلون بينهم نتائجه وثمراته.
وسيكون أعلام الأدب الذين اتصلوا بأكثر من بيئة، وتجاوبوا مع أكثر من إقليم - وهم غير قليلين في رجال هذا الأدب - سيكونون موضوع درس مشترك إلى حد ما، يحسن فيه التآزر، وتتوزعه أقاليم. فأبو نواس عراقي اتصل بمصر، وأبو تمام ذو صلة بمصر، وقد اتصل بغيرها من البيئات، والمتنبي نزيل مصر قد أشأم وأعرق. ومن هنا يكون أولئك الرجال وأمثالهم موضوع درس بين أصحاب هذه البيئات، يستكملون بتوزيعه فهم هؤلاء الرجال، وتحليل فنهم، أولى من أن يتحدثوا جميعا عنهم حديثا معادا مكررا، يعيد فيه آخرهم ما أبداه الأول، وردده قبله غير واحد. •••
وعلى هذا تكون فكرة الإقليمية في الأدب عاملا منظما لتوزيع الدرس، وتقاسمه بين الدارسين، فتتحد بذلك الدراسة الأدبية للتراث العربي، وتعمق نظرات دارسيها، كما ستكون فكرة البيئة دافعة إلى تلمس النواحي المشتركة من قرب أو بعد، بين أولئك الأقربين الذين تمتهم قرابات قريبة، ووصلتهم بالدنيا وشائج عامة، فيتعاونون تعاونا مجديا، يخصص كل نشاط بعمل، لا تعاونا مكررا، يتواردون فيه على الغرض الواحد، ويرمون به الهدف الواحد، فيضيعون من القوى ما كان خليقا بأن يوجه إلى جانب آخر من الغاية، ويبتغي طرفا من الهدف، فيكون العمل أكمل، والمعرفة أمكن.