تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رأينا من النظرة العامة في درس تاريخ الأدب على ما فهم المحدثون منه، ما ينبغي أن يكون وجه الرأي في تقسيم هذه الدراسة وتنسيقها (انظر [كيف ندرس الأدب المصري؟ - أدب وتاريخ الأدب]) متبعين في بيان هذا الذي ينبغي، تلك الخطة التي سميناها الخطة الوادعة غير المتهجمة، ولو أنها منكرة، مبطلة، مغيرة. ثم رأينا أثر الإقليمية الخاص على منهج الدراسة، إذ تقضي مراعاة الإقليمية بربط دراسة العروبة في كل بيئة خاصة، بالرجوع إلى ماضي هذه البيئة وملاحظة صلتها المادية والمعنوية بتلك العروبة في جزيرتها، ثم بها بعد هجرتها عن الجزيرة إلى مواطنها الجديدة، وكيف جرى الأمر بينها وبين ما في تلك البيئة من المعنويات في الاتصال والاختلاط، وكيف تبادل الوافد والمتوطن التأثر والتأثير.

وعلى هدى هذه الحقائق التي نعتقد أننا فرغنا من درسها، ونعتقد أن القارئ قد انتهى معنا إلى التسليم بها، غير مغالط ولا مورط؛ على هدى هذه الحقائق نستطيع أن نشير إلى المعالم الكبرى لمنهج الدراسة الأدبية، بل لعلنا بعد الذي أنفذنا من بيان نستطيع وضع منهج دراسة العروبة وآدابها في مقارها المختلفة، حين نصف دراستها في موطن من تلك المواطن هو مصر. نعم نستطيع ذلك في طمأنينة؛ لأن من هذه الدراسة للعروبة ما تشترك فيها الأقطار التي حلت فيها العروبة جمعاء ، ثم منها ما تتشابه نظمه، ما دامت تحتكم في تلك النظم فكرة الإقليمية، ويصدق الإيمان بتأثير البيئة الذي يقضي به العلم، وتثبته التجربة، وتراه في الفنون أجلى وأوضح وأفعل.

ومن هنا سيكون بياننا لمنهج درس الأدب المصري وتاريخه بيانا صالحا للانتفاع به في غير مصر من منازل العربية، وإليك المعالم الكبرى لهذا المنهج.

العربية في جزيرتها درس مشترك

هذه العربية في مهدها الأول أصل مشترك بين الأمم التي خالطها العرب فيما بعد، وشاطروا في دمائها وحياتها، فلا بد لكل أمة من تلك الأمم التي عرفت هاتيك العروبة، أن تعرف هذا العنصر من عناصر وجودها، وتمنحه من العناية الدارسة، ما لا بد منه لفهم عنصر جوهري مما يأتلف منه كيانها. ومن هنا تكون الجزيرة من حيث هي بيئة مادية لهذه العربية قد تأثرت بها، كما تأثر بها كل كائن عاش فيها؛ تكون هذه الجزيرة موضوع الدرس المادي المختلف، من طبيعة الأرض والمناخ، وما تقلبت به العهود المختلفة، وأدوار التاريخ المتتابعة، فتدرس جغرافيا وجيولوجيا، وجويا، وما إلى ذلك من دراسة عالمية حديثة للأقاليم.

وكذلك يكون الشعب العربي الذي استقر بها، منذ الدهر الأول موضوعا مشتركا. فيجب أن يدرس تلك الدراسة العلمية الدقيقة للشعوب من حيث خصائصه ومزاياه، وصلاته وقراباته وماضيه السحيق، في عصور الحياة الغابرة ... إلخ.

ثم كذلك الأمر البيئة المعنوية لهذه الجزيرة، من جوانبها المختلفة، في نظام الحياة بها، في الفرد والأسرة والجماعة، قبيلة أو شعبا أو أوسع من ذلك، في الناحية النظامية للحكم وما إليه، والاعتقادية في الدين وما يتصل به، والفنية في ألوانها المختلفة، من غير الفن القولي أو القولي، والعملية في أوضاعها المتعددة، من اقتصادية وما إليها. تدرس نواحي هذه البيئة المعنوية كافة كما يدرس الشعب، والبيئة المادية التي حل فيها.

ثم تدرس اللغة العربية في هذه الجزيرة على تباعد الأيام، وتطاول الأعصر، واختلاف الدولات، كما يدرس فنها الكلامي تدرس أصولها، وقوانينها، ولهجاتها، وعلاقاتها بغيرها، وعلومها اللغوية المختلفة، على أن يتخذ لذلك كله من الأهمية كل ما تسلح به إنسان اليوم الناهض الطامح، فلا تقف تلك الدراسات المادية الطبيعية والجنسية البشرية، أو اللغوية الأدبية، عند المقررات المتداولة والمسلمات المتناقلة، ولا تكتفي بالخبر المنقول والحديث المردد. وإنما تتخذ الأهبة لذلك من الحفر والتنقيب، والبحث والتحليل، والجمع والتنضيد، وتجرد لذلك كله البعوث والجماعات والهيئات، وتزود بكل ما يلزم لذلك من عدة وعتاد في غير ضنانة ولا تقتير، ولا استعظام واستكثار. •••

في الأدب المصري · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ٣٥