الْأُولَى نَحْوُ " لَوْلَا زَيْدٌ لَأَكْرَمْتُكَ " أَيْ لَوْلَا وُجُودُهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ " فَالتَّقْدِيرُ " لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أَشُقَّ " لَأَمَرْتُ أَمْرَ إِيجَابٍ وَإِلَّا لَانْعَكَسَ مَعْنَاهَا، إِذِ الْمُمْتَنِعُ الْمَشَقَّةُ، وَالْمَوْجُودُ الْأَمْرُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجِيءُ " لِلْحَضِّ " وَهُوَ طَلَبٌ بِحَثٍّ وَإِزْعَاجٍ وَ " لِلْعَرْضِ " وَهُوَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَأَدَبٍ، فَتَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ نَحْوُ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَجِيءُ " لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنَدُّمِ " فَتَخْتَصُّ بِالْمَاضِي نَحْوُ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أَيْ " هَلَّا " انْتَهَى. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنَ أَنَّهَا تَجِيءُ بِمَعْنَى " لِمَ لَا " وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَمَوْقِعُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِذَا عَلَّقَ بِهَا الْقَوْلَ الْحَقَّ، لَا يَمْنَعُ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ، كَمَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا فَيَقَعُ فِي مَحْذُورٍ فَيَقُولُ: لَوْلَا فَعَلْتُ كَذَا مَا كَانَ كَذَا، فَلَوْ حَقَّقَ لَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، سَوَاءٌ فَعَلَ أَمْ تَرَكَ فَقَوْلُهَا وَاعْتِقَادُ مَعْنَاهَا يُفْضِي إِلَى التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ " (1).
ج) رَسُولَ اللهِ يُعِينُ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ عَلَى آَدَاءِ مُكَاتَبَتِهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ قَالَ
" كُنْتُ رَجُلا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا جَيٌّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ (أي رئيسها)، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، أَيْ مُلازِمَ النَّارِ، كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري» بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا الحديث رقم 6809