تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ وَالْحِكْمَةَ أَصْلُهُمَا حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ هَوَاهَا، وَمَنْعُهَا مِمَّا يَشِينُهَا، فَالْمُرَادُ مِنَ الْحُكْمِ الْحِكْمَةُ الْعَمَلِيَّةُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ الْحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ. وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْحِكْمَةَ الْعَمَلِيَّةَ هُنَا عَلَى النَّظَرِيَّةِ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الرِّيَاضَاتِ يَشْتَغِلُونَ بِالْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ، ثُمَّ يَتَرَقَّوْنَ مِنْهَا إِلَى الْحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ. وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَفْكَارِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْأَنْظَارِ الرُّوحَانِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَصِلُونَ إِلَى الْحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَنْزِلُونَ مِنْهَا إِلَى الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَطَرِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ صَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَبْوَابَ الْمُكَاشَفَاتِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا).

الْقَوْلُ الثَّانِي: الْحُكْمُ هُوَ النُّبُوَّةُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ يَكُونُ حَاكِمًا عَلَى الْخَلْقِ، وَالْعِلْمُ عِلْمُ الدِّينِ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْحُكْمِ صَيْرُورَةَ نَفْسِهِ الْمُطْمَئِنَّةِ حَاكِمَةً عَلَى نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهَا قَاهِرَةً لَهَا، وَمَتَى صَارَتِ الْقُوَّةُ الشَّهْوَانِيَّةُ وَالْغَضَبِيَّةُ مَقْهُورَةً ضَعِيفَةً فَاضَتِ الْأَنْوَارُ الْقُدُسِيَّةُ وَالْأَضْوَاءُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ عَالَمِ الْقُدُسِ عَلَى جَوْهَرِ النَّفْسِ. وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ خُلِقَتْ قَابِلَةً لِلْمَعَارِفِ الْكُلِّيَّةِ وَالْأَنْوَارِ الْعَقْلِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا بِحَسَبِ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَبِحَسَبِ الْمُكَاشَفَاتِ الْعُلْوِيَّةِ أَنَّ جَوَاهِرَ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالْمَاهِيَّاتِ فَمِنْهَا ذَكِيَّةٌ وَبَلِيدَةٌ، وَمِنْهَا حُرَّةٌ وَنَذْلَةٌ، وَمِنْهَا شَرِيفَةٌ وَخَسِيسَةٌ، وَمِنْهَا عَظِيمَةُ الْمَيْلِ إِلَى عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ وَعَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ فِي الْجُسْمَانِيَّاتِ، فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ

علو الهمة ينادي شباب الأمة · الصفحة ٦٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

علو الهمة ينادي شباب الأمةص ٦٣٠