لَا بِبَيِّنَةٍ تُعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ نَفَوُا الْحَفْرَ لِمَنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِإِقْرَارِهَا مُخَالِفُونَ لِصَرِيحِ النَّصِّ الصَّحِيحِ بِلَا مُسْتَنَدٍ كَمَا تَرَى، وَالْعَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالرَّجْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ كَانَ الزِّنَا ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ، وَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ بَدَأَ بِهِ الْإِمَامُ أَوِ الْحَاكِمُ، إِنْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَرْجُمُ النَّاسُ بَعْدَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَاسْتَدَلُّوا لِبَدَاءَةِ الشُّهُودِ، وَبَدَاءَةِ الْإِمَامِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْفِقْهِ الْحَنْبَلِيِّ، وَصَاحِبُ تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ فِي الْفِقْهِ الْحَنَفِيِّ.
قَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ: الرَّجْمُ رَجْمَانِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ، فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ النَّاسُ ; وَلِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُمْ مِنَ التُّهْمَةِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ، اهـ مِنْهُ.
وَحَاصِلُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ: أَثَرٌ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَكَوْنُ مُبَاشَرَتِهِمُ الرَّمْيَ بِالْفِعْلِ أَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ التُّهْمَةِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ عَقْلِيٌّ لَا نَقْلِيٌّ، اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ " تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ " فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِ صَاحِبِ " كَنْزِ الدَّقَائِقِ ": يَبْدَأُ الشُّهُودُ بِهِ فَإِنْ أَبَوْا سَقَطَ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَيَبْدَأُ الْإِمَامُ وَلَوْ مُقِرًّا ثُمَّ النَّاسُ.