قَالَ تَعَالَى: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ فِيهِ قَوْلَانِ: الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ، وَالْمُنْقَطِعُ إِلَيْكَ يَرْجُو نَفْعَكَ وَرِفْدَكَ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ أَنَّهُ الْمَرْأَةُ، أَيْ: لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي قَضَتِ الْفِطْرَةُ وَنِظَامُ الْمَعِيشَةِ أَنْ تَكُونَ بِجَنْبِ بَعْلِهَا، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي خِطَابِ الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ لِلتَّغْلِيبِ جَازَ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرْأَةِ الزَّوْجُ وَرَجُلُهَا مِثْلُهَا، فَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْإِحْسَانُ بِالْآخَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَبَّرَ بِلَفْظِ الزَّوْجِ الْمُرَادِ بِهِ الْجِنْسُ، فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ يُرِيدُ الْمَرْأَةَ ; لِأَنَّهَا أَحْوَجُ إِلَى إِحْسَانِ بَعْلِهَا مِنْهُ إِلَى إِحْسَانِهَا، فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هُوَ مَنْ صَاحَبْتَهُ وَعَرَفْتَهُ وَلَوْ وَقْتًا قَصِيرًا، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ الرَّفِيقُ فِي أَمْرٍ حَسَنٍ كَتَعَلُّمٍ وَتَرَفٍ وَصِنَاعَةٍ وَسَفَرٍ، فَإِنَّهُ بِقَيْدِ " وَلَوْ وَقْتًا قَصِيرًا " يَشْمَلُ صَاحِبَ الْحَاجَةِ الَّذِي يَمْشِي بِجَانِبِكَ وَيَسْتَشِيرُكَ أَوْ يَسْتَعِينُكَ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْأَصْحَابِ عِنْدَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ لَا يَكَادُ يَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فِي طَرِيقٍ إِلَّا وَتَرَاهُمْ يُوفِضُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نُصُبٍ يَمْشُونَ بِجَانِبِهِ مُسْتَشِيرِينَ أَوْ مُسْتَعِينِينَ.
قَالَ تَعَالَى: وَابْنِ السَّبِيلِ الْمَشْهُورُ فِي تَفْسِيرِهِ هُنَا الْمُسَافِرُ وَالضَّيْفُ، وَقُلْنَا فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: لَيْسَ الْبَرَّ (2: 177)، هُوَ الْمُنْقَطِعُ فِي السَّفَرِ لَا يَتَّصِلُ بِأَهْلٍ وَلَا قَرَابَةٍ كَأَنَّ السَّبِيلَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَرَحِمُهُ وَأَهْلُهُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا: إِنَّهُ مَنْ تَبَنَّاهُ السَّبِيلُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، أَيِ: السَّائِحُ الرَّحَّالَةُ فِي غَرَضٍ صَحِيحٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ مَنْ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنَ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا ضَيَّقُوا فِي تَفْسِيرِهِ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ كُلَّ مَنْ عُرِفَ فِي الطَّرِيقِ مُسْتَحِقًّا لِلزَّكَاةِ، وَأَمَّا الْإِحْسَانُ الْمُطْلَقُ، فَالْأَمْرُ فِيهِ أَوْسَعُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ دَائِمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ، كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْرِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ