تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْمَسْكَنَةِ إِلَى غَيْرِ الْعُدْمِ وَصُفْرِ الْكَفِّ، وَالْمُهِمُّ مَعْرِفَةُ سَبَبِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ سَبَبَ عُدْمِهِ وَعَوَزِهِ ضَعْفُهُ وَعَجْزُهُ عَنِ الْكَسْبِ، أَوْ نُزُولُ الْجَوَائِحِ السَّمَاوِيَّةِ تَذْهَبُ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْمِسْكِينُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي تَجِبُ مُوَاسَاتُهُ بِالْمَالِ الَّذِي يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ، وَمِنْهُمُ الْعَادِمُ: الَّذِي مَا عَدِمَ الْمَالَ إِلَّا بِالْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ وَالْمَخِيلَةِ وَالْفَخْفَخَةِ الْبَاطِلَةِ، وَمِنْهُمُ الْعَادِمُ: الَّذِي مَا عَدِمَ الْمَالَ إِلَّا لِكَسَلِهِ وَإِهْمَالِهِ لِلْكَسْبِ طَمَعًا فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَاتِّكَالًا عَلَيْهِمْ، أَوْ بِسُلُوكِهِ فِيهِمْ مَسْلَكَ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ حَتَّى يُفْضَحَ سِرُّهُ وَيَظْهَرَ أَمْرُهُ، فَيَحْبَطَ عَمَلُهُ، فَالْمَسَاكِينُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِسْكِينٌ مَعْذُورٌ يُسَاعَدُ بِالْمَالِ يُنْفِقُهُ، أَوْ يُسَاعَدُ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِكَسْبِهِ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، وَمِسْكِينٌ غَيْرُ مَعْذُورٍ يُرْشَدُ إِلَى تَقْصِيرِهِ، وَلَا يُسَاعَدُ عَلَى إِسْرَافِهِ وَتَبْذِيرِهِ، بَلْ يُدَلُّ عَلَى طُرُقِ الْكَسْبِ، فَإِنِ اتَّعَظَ وَقَبِلَ النُّصْحَ، وَإِلَّا تُرِكَ أَمْرُهُ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، انْتَهَى بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ وَاخْتِصَارٍ.

ثُمَّ قَالَ: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ الْجِوَارُ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْقَرَابَةِ فَهِيَ قُرْبٌ بِالنَّسَبِ، وَهُوَ قُرْبٌ بِالْمَكَانِ وَالسَّكَنِ، وَقَدْ يَأْنَسُ الْإِنْسَانُ بِجَارِهِ الْقَرِيبِ، مَا لَا يَأْنَسُ بِنَسِيبِهِ الْبَعِيدِ، وَيَحْتَاجَانِ إِلَى التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ مَا لَا يَحْتَاجُ الْأَنْسِبَاءُ الَّذِينَ تَنَاءَتْ دِيَارُهُمْ، فَإِذَا لَمْ يُحْسِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا خَيْرٌ لِسَائِرِ النَّاسِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، وَالْجَارِ الْجُنُبِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَوَّلُ هُوَ الْقَرِيبُ مِنْكَ بِالنَّسَبِ، وَالثَّانِي هُوَ الْأَجْنَبِيُّ لَا قَرَابَةَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَوَّلُ الْأَقْرَبُ مِنْكَ دَارًا، وَالثَّانِي مَنْ كَانَ أَبْعَدَ مَزَارًا، وَقِيلَ: إِنَّ ذَا الْقُرْبَى مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْكَ وَلَوْ بِالدِّينِ، وَالْأَجْنَبِيَّ مَنْ لَا يَجْمَعُكَ بِهِ دِينٌ وَلَا نَسَبٌ، وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفِ السَّنَدِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَالْبَزَّارِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: " الْجِيرَانُ

علو الهمة ينادي شباب الأمة · الصفحة ١١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

علو الهمة ينادي شباب الأمةص ١١٥٦