(1). وهنا تكمن فائدة العدول وهي تضمين معنى الفعلين وذلك عن طريق المجيء بالمصدر معدولاً به عن القياس، " فالسالك إلى الله لا غنى له عن تكلف التبتّل ومحاولته ليحمل نفسه عليه لثقله عليها أول أمره، ولابد من إكثار التبتّل ومحاولته حتى تعتاده النفس وتطاوع له " (2)
2 ـ العدول عن التقبّل إلى القبول:
قال تعالى في قصة (مربم) (عليها السلام): ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ (سورة آل عمران / 37).
وذلك بعد أن نذرت امرأة عمران ما في بطنها لله، وبعد أن وضعتها أنثى قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (سورة آل عمران / 35).
ويلحظ إخراج المصدر على غير لفظه، إذ القياس (فَتَقَبَلَها رَبُّها بِتَقَبُّلٍ)، والعرب تأتي بالمصادر على أصول الأفعال وإن اختلفت ألفاظها في الأفعال بالزيادة (3). وقد ذكر الزمخشري في (قَبول) وجهان: أحدهما أن يكون اسم ما تقبل به الشيءَ كالسَّعُوط لما يُسْعَطُ به؛ والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف، أي: فتقبلها بذي قبول أي بأمرٍ ذي قبول، في كلا الوجهين يكون المعنى الاختصاص، وهو: إقامتها مقام الذكر في النذر (4). والصحيح أن (قَبَول) مصدر (قَبِل) وهو مذهب سيبويه في أَنَّ هناك خمسة مصادر جاءت على وزن (فَعُول) وهي: قًبُول، وطَهُور، ووَضُوء، ووَقُود، ووَلوُغ. ولكنّ الراجح أنه عدول عن المصدر المقيس
(تقبُّل) إلى مصدر الثلاثي (قَبِل) لإرادة الإشارة إلى معنى صيغتي (تَفَعَّل) و
(فَعَل)، ففي معنى (التفعّل) دلالة على شدة اعتناء الفاعل بإظهار الفعل، يقال: تصبّر أي: جَدّ واجتهد في إظهار الصبر، وكذلك (التقبُّل) يدل على المبالغة في إظهار القبول (5). قال الرازي: " فإن قيل لِمَ لَمْ يقل: فتقبلها ربُّها بتقبّل حَسَنٍ حتى تصير المبالغة أكمل؟ والجواب أن لفظ التقبّل وإن أفاد ما ذكرنا إلاّ أنه يفيد نوع تكلف
(1) التعبير القرآني، السامرائي: ص 35.
(2) الإعجاز الصرفي في القرآن الكريم، هنداوي: ص 167.
(3) ينظر: جامع البيان: 6/ 344.
(4) ينظر: الكشاف: 1/ 357.
(5) ينظر: التفسير الكبير: 8/ 29.