كتب في العهد النبوي على العسب والأكتاف واللخاف. فلا تكاد ترى واحداً منهم قد خرج أو حاول أن يبدأ كلامه بشيء آخر غير ذلك إلا قلة نادرة من الباحثين، الذين حاولوا بيان مدى الصحة في إطلاق هذه المقولة التي هي في نظر الباحث ليست وصفاً دقيقاً ولا علمياً عما كانت عليه أدوات كتابة القرآن الكريم في العهد النبوي، ولا يعبر عن كل الحقيقة. وقد أطلق الباحث عبارة المقولة الشائعة أو المشهورة وليس الحديث الشائع أو المشهور، لأن هناك فرقاً واضحاً بين الحديث المشهور الصحيح وبين المقولة التي اشتهرت عند من كتب في موضوع جمع القرآن الكريم. حيث اقتطعت من حديث زيد بن ثابت الموجود في البخاري اقتطاعاً، وتم التركيز عليها من قبل المؤرخين والعلماء، وقد تم إهمال الجزء الآخر من الحديث في أكثر الأحيان والذي يعتبر من الأهمية بمكان، ألا وهو كلمة الرقاع والتي فسرها الحافظ ابن حجر بقوله قد تكون من جلد أو ورق أو كاغد، وكذا لفظة الصحف التي وردت في الروايات الصحيحة للحديث. فكان الأولى وحسب تلك الرواية الصحيحة والتي قدم فيها لفظة الصحف أن يقول الباحثون إن القرآن الكريم كان يكتب على الصحف والرقاع ومن ثم يتم ذكر الأدوات الأخرى من أعساب ولخاف، الخ.
ومما يجعل الباحث يعتقد، بل يجزم أن هذه الأدوات لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من الأدوات التي كتب عليها القرآن ما أخرجه الحاكم عن زيد بن ثابت نفسه ووصفه بأنه بسند صحيح على شرط الشيخين وهو في مجال كتابة وتأليف القرآن الكريم في العهد النبوي جاء فيه: >كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع< (1) وقد علق البيهقي على ذلك كما جاء في الإتقان بقوله: >يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي< (2)، أو جمع آيات السورة الواحدة، أو جمع السور مرتبة في المصحف (1). ويصح أن يستفاد من الحديث أنه كان يكتب ماينزل به الوحي في رقاع منفردة ثم تنقل هذه الرقاع إلى صحف معدة كالسجل فتلحق فصولها ببعضها وفق ما كان يشير به النبي (2). وهذا هو القول الفصل والفيصل في محل النزاع، حيث ورد هذا الحديث في مجال تأليف القرآن وكتابته. في حين أن قول زيد بن ثابت:>فتتبعت القرآن أجمعه من الأعساب ... الخ<. ورد في مجال تتبع القرآن وجمعه وليس في مجال التأليف والترتيب والكتابة.
والذي يبدو من سياق الأحداث أن هذه المقولة صدرت من زيد بن ثابت ليست على سبيل الحصر، وإنما ـ والله أعلم ـ أنه ماأراد إلا بيان مدى صعوبة المهمة التي تم تكليفه بها من قبل خليفة المسلمين أبي بكر رضي الله عنه، ودقة المنهج الذي تم اتباعه من قِبَلِهِم بحيث إنهم لم يهملوا ولا قطعة حجر أو عظم أو جريد نخل، وإنما تتبعوا كل شيء كتب عليه القرآن. أو أن ذلك جاء لوصف الحالة وطبيعة العمل من أنهم تتبعوا حتى قطع الأحجار والعظام والأعساب التي تمت الكتابة عليها من قبل بعض الصحابة بعمل فردي ليس له علاقة بمؤسسة كتاب الوحي التي كان يشرف عليها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه. أو أن الآيات المنزلة كانت تكتب على الصحف مباشرة إلا في الحالات القليلة التي لم تتيسر فيها الصحف فتكتب على الأكتاف والعظام، أي في الحالات الضرورية. وعليه أريد بهذه المقولة بيان ووصف دقة المنهج المتبع من قِبَلِ زيد واللجنة المكلفة بذلك من قِبَلِ الخليفة، وأنه كان من الدقة بحيث لم يهملوا ولا قطعة حجر أو عظم كتب عليه القرآن لطارئ طرأ أو كتبه أحد الصحابة لنفسه، أو كتب عليه القرآن فور نزوله. بدليل أنهم طلبوا من كل من عنده شيء مكتوب أن يأتي به، وقد (قعد عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت على باب المسجد) (3) لتسلمه من الناس بعد التثبت من صحة الكتابة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم والاستشهاد عليها من قِبَلِ شخصين. يقول دراز: >ولهذه كان الرسول كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدونوه على أي شيء في متناول أيديهم، مثل الورق أو الخشب أو قطع الجلد أو صفائح الحجارة وكِسَرِ الأكتاف ... الخ< (4).