يختارنا؛ ولذلك قال ابن عباس في تفسيرها: «ينعي بها الله أجل رسوله - صلى الله عليه وسلم -»، وبناء على هذا الفهم كانت علاقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجبريل فكان جبريل ضرورة حياة بالنسبة للرسول، حتى إن جبريل كان يدارس الرسول مرة كل عام، فلما كان العام الذي مات فيه دارسه القرآن مرتين وذلك لحساب الأيام التي يعيشها دون أن يدرك رمضان بعد ذلك وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يطيق غيابه حتى إنه سأله: لماذا لا تأتينا كثيرًا يا أخي جبريل فأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] فلما غاب عنه بعد نزول الوحي في أول الأمر لم يتحمل أن يعيش بغير وحي، ولكن جبريل كان يظهر له عندما يكون في هذه الحالة فيقول له: أنت رسول الله وأنا جبريل، فيطمئن وتذهب الحالة التي هو فيها ثم يعود فيظهر له جبريل فيقول: أنت رسول الله وأنا جبريل، ويتكرر الموقف حتى أصبح رسول الله يملك القدرة على تحمل غياب الوحي، كما كان يملك القدرة على تحمل الوحي نفسه، فقد كان هذا التحمل في الحالتين ضرورة رسالة ونبوة ووحي.
فكما ارتبطت حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة حتى النهاية كان موقف محاولة الرسول تحقيق لهذا الارتباط من البداية؛ لأن رسول الله كان يمتنع عن المحاولة كلما جاءه جبريل وقال له: أنا جبريل وأنت رسول الله، فأصبحت حياة رسول الله من بدايتها إلى نهايتها هي الرسالة، ولعلنا نلاحظ ارتباط رسول الله بالوحي من رفضه للحياة بعد انتهاء الرسالة واختياره الموت كما في حديث وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خير عبد بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله» وكان آخر ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو: «بل إلى الرفيق الأعلى» فأدرك أبو بكر: إنه يخير، فقال: إذن لا يختارنا.