أولًا: أن يتنزل الوحي على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - والحياة لا تكون إلا بالقلب ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: 194]؛ ولذلك كان قلب رسول الله لا يغفل: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا وقلوبنا لا تغفل» (1) ومن هنا كانت رؤية الأنبياء وحي لأنه يتلقى الوحي بقلبه وقلبه الذي لا يغفل، ولأجل أهمية معنى الوحي كحياة بالنسبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لحياته اعتبارين: الاعتبار الرسالي والاعتبار الشخصي، فلما انتهى الاعتبار الرسالي خير في الحياة بالاعتبار الشخصي فاختار الموت لترتبط حياته بالاعتبار الرسالي فقط، ولتكون حياته هي الوحي فقط، وبذلك يكون الوحي فقط هو حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومعنى تخيير رسول الله بعد انتهاء الوحي للحياة أو الموت هو أن حياته في حال نزول الوحي هي حياة متعلقة بالوحي كلية، وأن حياته بالاعتبار الشخصي مسألة أخرى يخير فيها ولذلك جاء قول الله -عز وجل-: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] وكانت آخر ما نزل من القرآن من السور.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خُيّر عبدٌ بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله»، فبكى أبو بكر فقال الصحابة: ما بال الشيخ يبكي؟ لأنهم لم يدركوا ما أدركه أبو بكر، وكان آخر ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «بل إلى الرفيق الأعلى» (2)، فقالت فاطمة: إذن لا
(1) (متفق عليه) اخرجه البخاري في (المناقب/3569)، ومسلم في (صلاة المسافرين/738) من حديث عائِشة رضِي اللّهُ عنها قالت: (يا رسُول اللّهِ تنامُ قبل أن تُوتِر قال تنامُ عينِي ولا ينامُ قلبِي) وليس فيه أن هذا للأنبياء كلهم.
(2) (متفق عليه) أخرجه البخاري في (المناقب/3670)، ومسلم في (السلام/2213) من حديث عائشة.