لقد عاش مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والناس بين مكثر ومقل فلم يعترض هذا التفاوت، وعاش فى عهد أبى بكر رضى الله عنه فما هاجم الأغنياء أو طالب بتقسيم ثرواتهم! وعاش فى عهد عمر رضى الله عنه فما نبس ببنت شفة ضد من وسع الله عليهم. الحق أن أبا ذر هاجه الترف المقبل، والتوسع فى النعم، فتحرك ضد ما رآه من تغير فى سير الجماعة الإسلامية ، وتطير من نتائجه، وشرع يهاجم أصحابه ففهم الناس من كلامه ما فهموا، والرجل فى نظرى لم يتوهم أن الغنى جريمة، وأن من أخرج حقوق المال يعتبر عدوا للشعب. وأبو ذر رجل معروف بالصراحة، وملكاته النفسية تعجزه عن المناصب الإدارية، وقد أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يتولى عمالا، لأنه لا يطيق توجيه الناس وحياطة أمورهم، ومن هنا فإنه آثر العزلة فى مكان قريب من المدينة اسمه (الربذة). ويكذب على عثمان رضى الله عنه من قال إنه نفاه برغمه إلى هذه الضاحية فقد روى البخارى عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبى ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية فى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). فلما قدمت المدينة كثر على الناس حتى كأنهم لم يرونى من قبل ذلك! فذكرت ذلك لعثمان رضى الله عنه، فقال لى: إن شئت تنحيت فكنت قريبا.. فذاك الذى أنزلنى هذا المنزل، ولو أمروا على عبدا حبشيا لسمعت وأطعت. وقال الأستاذ الشرقاوى إن عثمان رضى الله عنه نفى عليا رضى الله عنه إلى ينبع! ولا أعرف من أين جاء بهذا الخبر؟ وقد شعرت ـ بعد طول تأمل فى سيرة عثمان رضى الله عنه ـ أن الرجل جنى عليه نبله الغريب، وحياؤه الشديد، وإيثاره ترك حقوقه عن التعرض لطلبها ممن يطمع فيها، ولو كان فى ذلك فقدان الحياة! وتستطيع معرفة هذه النفس الزكية من مسلكه عندما واجه القتلة المحيطين به، قال صاحب سبل السلام: (صح أن عثمان رضى الله عنه منع عبيده أن
علل وأدوية · الصفحة ٢٢٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
علل وأدويةص ٢٢٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي