هل الفاعل مجهول فى دراساتنا لعلوم الكيمياء والفيزياء والأحياء كنا نستعرض خواص المادة وقوانينها أو مظاهر الخلايا الحية وأطوارها، ثم نمر مر الكرام على ذلك كله، فلا نعرف له صاحبا ولا نذكر له مصدرا ونكاد نقرر بلسان الحال أو بلسان المقال أن الفاعل مجهول. والسبب فى هذا الجحود السائد أن نشأة تلك العلوم كانت فى بيئات مادية تكره الدين وتضيق بمنطقه وترفض أغلب أحكامه! ومعروف أن نزاعا داميا نشب بين الكنيسة والتقدم العلمى، جعل جمهور المفكرين يعد الدين،مرادفا للجمود والوهم! والحقيقة أن الكنائس فى العصور الوسيطة حاربت المنطق العقلى وبحوثه المنتجة لأنها اعتبرت ذلك تأثرا بالإسلام واستجابة لتوجيهه. ومن ثم عالجت اليقظة العلمية بالحديد والنار، وخشيت أن تكون هذه الحركة طليعة لتقدم إسلامى مدنى يسبق تقدمه العسكرى، فلم تهادن مكتشفا ولا باحثا وسفكت الدم بغزارة. ورأت بهذا المسلك أنها تخدم الدين ! وما درت أنها تخدم الإلحاد، وتمهد أمامه الطريق، وأن العلم لما انطلق إلى غاياته كفر بالدين كله، وتحدث عن المادة ناسيا ربها، وعن قوانينها ناسيا من أحكمها. وغفا المسلمون غفوتهم الكبرى، وتأخرت بلادهم تأخرا مخزيا، ثم استيقظوا يطلبون العلم من مظانه، فإذا النقلة والمترجمون يعرضون الدراسات الكونية والحيوية مبتوتة العلاقة بمبدع الكون والحياة، لا تذكر له اسما، ولا تنبى له عن وصف، كأن العالم لا صانع له ـ أو بتعبير العصر ـ كأن الفاعل مجهول. وهذه سوءة فكرية يلزمنا عارها إن لم نتداركها بالإيمان العاقل، أو العقل المؤمن، فنربط الكون بخالقه وفق المنهج الذى رسمه القرآن الكريم ومشت فيه ثقافتنا الصحيحة وقامت عليه حضارتنا الأولى. إن بعض الناس يظن الدين نوعا من الأدبيات الحالمة أو الوجدانات العائمة! وهذا كلام ينطبق على الأديان الوثنية أو نصف الوثنية، ولكنه لا ينطبق أبدا على الإسلام الذى تدعمه الحقائق، ويسانده البرهان فى كل مجال،
علل وأدوية · الصفحة ٢١٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
علل وأدويةص ٢١٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي