تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون). والحيلة مكشوفة، ولكن الشهوة الغالبة يعنيها فقط أن تمضى فى طريقها. وقد جاء الإسلام بجملة من الضوابط الخلقية والفكرية لتبرئة التدين من هذا العوج، ولاستبقائه نقاوة فى الصدر وشرفا فى القصد واستقامة على النهج واستشرافا للرضوان الأعلى. ص _206

ويتجلى ذلك فى تصحيحه للمفاهيم الشائعة، أو فى تجلية معان قد يذهل عنها الجمهور الكبير لأنه مرتبط ذهنيا بالمعانى القريبة. فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأعراضهم، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.. والغنى غنى النفس والطمع هو الفقر الحاضر.. إنك تلمح فى هذه التوجيهات كيف يتحول التدين من كمال نفسى إلى كمال اجتماعى، وكيف تنضح التقوى على البيئة فتملؤها بالنظام والعفة والأمان. ولما كان العرب تجارا يكرهون الكساد والإفلاس، فقد استغلت هذه الغرائز فيهم ليطلبوا الأشرف والأزكى، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم). وجاء فى الحديث الصحيح هذا التساؤل الذى يحول الإيمان إلى سلام وشرف وخلق رفيع: "أتدرون ما المفلس. قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتى وقد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا". إنه مفلس، لأن عبادته كلها طاشت فلم تغن عنه شيئا بعدما اقتص رب العباد منه. إن التدين ليس شقشقة لسان، أو عادات أعضاء تلتوى وتنفرد، إنه قبل كل شىء قلب سليم وفكر مستقيم، ينشأ عنهما مجتمع كريم. على هذه الطريقة فى تحديد المفاهيم الصحيحة، ولفت البصائر إلى حقائق أثمن. تأملت فيما ذكره البيهقى مرويا عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "هل تدرون ما الشديد؟ قلنا: الرجل يصرع الرجل! قال: إن الشديد كل الشديد الرجل الذى يملك نفسه عند الغضب. أتدرون ما الرقوب؟ قلنا: الرجل الذى لا يولد له! قال:

علل وأدوية · الصفحة ٢١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

علل وأدويةص ٢١٤