تامة قصة أن الحياة جسد لا روح، ودنيا لا آخرة.. إننا نحن المسلمين نعتقد أن الوجود الإنسانى طويل ذاهب فى الطول، وأن الموت ليس نهاية له كما يتصور البعض، إننا بالأسلوب الذى نحيا به هنا، نصنع المستوى الذى نحيا به هناك، فإذا عرفنا ربنا فى هذه الأرض نضر وجوهنا يوم لقائه، وكان لنا عنده مهاد صالح. أما عبيد التراب فالويل لهم! (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين). بيد أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الشرح، فإن بعض المتدينين ظن ذكر الآخرة إضاعة للدنيا، وظن ترجيح الروح توهينا للجسد، وحسب أن التسامى الروحى وكسب نعيم الآخرة إنما يتمان على حساب عافية واهنة، ودنيا غلبها الذبول! والحق أن هذا جهل بالإسلام وظلم لتعاليمه، فإن الدين لم يطلب أكثر من إحكام الرقابة على الغرائز البشرية حتى لا تطغى وتزيغ، والمرء إذا استجاب لكل رغبة، وسارع لكل شهوة فقد كرامته وأدبه لا محالة! ويعجبنى قول الشاعر العربى: إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل عليك بروق جمة ورواعد! إذا أنت لم تترك طعاما تحبه! ولا مقعدا تدعى إليه الولائد! تجللت عارا لا يزال يشبه سباب الرجال نثرهم والقصائد نعم.. فلابد من ضبط النفس وكبت شهوات كثيرة تهدم ولا تبنى وتقعد ولا تقيم... وهذا معنى الصوم، وأثره المنشود. ولا شك أن قمة الكمال فيه أن يتم إيمانا واحتسابا، فإن الفضائل كلها تتهاوى وتفقد رصيدها السماوى عندما يقارنها الرياء أو الغش ونسيان الله.. والدين يضع الدنيا موضعها الصحيح، فلا يبخسها ولا يغالى بها، لو كان عمر الآخرة عشرة أضعاف عمر الدنيا لوجب توزيع الاهتمام على شئون الدنيا والآخرة بهذه النسبة! فكيف والآخرة أخلد وأجدى؟ ومع ذلك فإن الدين ما استهان بالدنيا، وإنما رفض الاغترار بها والتكاثر فيها والاحتباس فى مآربها (والله عنده حسن المآب). ص _200
علل وأدوية · الصفحة ٢٠٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
علل وأدويةص ٢٠٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي