عبادة يستغربها العصر الحديث أظن الحضارة الحديثة تكره الصوم وتنكر فلسفته! فهى ـ بشقيها الغربى والشرقى ـ تعبد الجسد، وتلبى رغباته وتستغرب اعتراضها، ثم هى لا تمد البصر إلى أبعد من هذه الحياة الدنيا، فما بعد الموت وهم لا مساغ لتصديقه ولا للإعداد له! ويعنى ذلك إشباع النهمة إلى هذه الحياة العاجلة، وانتهاز الفرصة للوجود هنا كى ننال كل شىء، إذ لا شىء بعد. وقد صور القرآن الكريم هذا الإحساس المادى المغرق بقوله: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون). والتشبع من الحياة قبل أن تنتهى، وينتهى معها الوجود كله هو تفكير الجاحدين للألوهية، المستبعدين لليوم الآخر، المعولين على أعمارهم فوق هذا التراب وحده! وربما كان ذلك مسلكا شاذا أو نادرا بين الأقدمين، ولكنه الآن مسلك شائع بين جماهير من الضائقين بالأديان سقيمها وسليمها.. وهؤلاء يقينا هم المعنيون بقوله سبحانه: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم). إن أحدا من هؤلاء لا يفرط فى تناول طعامه، بل لا يفرط فى تناول سيجارته من أجل ثواب يتخيل، إنه عبد يومه وحسب.. وقد نتساءل: كيف يوصف أولئك (المثقفون) بأنهم يأكلون كما تأكل الأنعام مع أنهم يحسنون التفكير والإنتاج؟ والجواب أن الأكل عند هؤلاء مصدر الطاقة اللازمة للبدن والرفاهة المطلوبة للحياة فهو غاية تقصد لذاتها، ولا يقبل إرجاؤها أو انتظار بديل عنها فى عالم الغيب. إن المتعة فى هذه الدار وحدها، وذاك ما شرحته آيات أخرى: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون). أو قول الله فى تحديد الدائرة التى يحيا الكافر داخلها: (إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور * بلى إن ربه كان به بصيرا). وشريعة الصيام لها محور آخر تدور عليه، وأشواق أخرى ترنو إليها، وهى تناقض مناقضة ص _199
علل وأدوية · الصفحة ٢٠٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
علل وأدويةص ٢٠٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي