تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والغريب أن الأعمال الصالحة فى هذا الميدان العقلى أضعاف مثيلاتها فى الميدان النقلى! والمسلمون المعاصرون فى كلا الميدانين زائغو البصر مضطربو الخطى، والخلخلة التى تسود أجواءهم العلمية تثير الفزع، وتجعلنا نخشى على المستقبل. وسمعت خطيبا يشرح سورة (التكاثر) ويزهد الناس فى الدنيا ويسوق نصوصا أكثرها مقبول بيد أنى شعرت بحيرة، وكنت أقرب إلى الضيق منى إلى الرضا.. إن النهى عن الأكل فى صحاف الذهب والفضة وارد، غير أن سوق هذا إلى الخدم والعمال لا مساغ له! والأمر بالعدل بن الزوجات مطلوب، وتوجيه هذا الكلام إلى نزلاء السجون شىء مضحك وما أزعم أن عامة المسلمين أحسنوا مواقفهم من الدنيا واستغنوا عن النصح الطيب. فأغنياء المسلمين وفقراؤهم سواء فى الحاجة إلى فهم طبيعة الحياة، سواء قل نصيبهم منها أو كثر.. إن كلمة (ألهاكم التكاثر) بالغة الدقة فى تصوير رذائل الحياة، وهناك تنافس مجنون على جمع الحطام شغل أصحابه عن الوظيفة الصحيحة للمال، ذلك أمر مذموم يقينا، لأنه عبادة للدنيا وذهول عما وراءها. أما الأموال التى قال الله فيها: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) فإن جمعها وتنميتها حق، والمفروض أنها لا تلهى مؤمنا عن واجباته، بل هى صون لهذه الواجبات وتحصين لها، محور هذه السورة هو التعريف بالآخرة لا التجهيل فى الدنيا ولا التزهيد فيها.. إن هذا الإعلام بحقائق الآخرة تكرر ثلاث مرات فى قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون). والتعريف بالآخرة ليس تجهيلا بالدنيا أو صرفا عنها كما يتصور البعض فربما أوجب عليك الإسلام أن يكون لك مال قارون، على ألا يكون لك كبره أو شحه أو فساده. إن الصعلكة لا تقيم جهازا للجهاد ولا تبنى جامعة للمعرفة، إنما ينشئ ذلك كله كثرة لا تلهى وسعة لا تطغى ودنيا يسخرها مالكها لخدمة الدين. ص _198

علل وأدوية · الصفحة ٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

علل وأدويةص ٢٠٥