كانت أحوال البصرة مضطربة جدا في عهد والي بغداد عمر باشا، في الوقت الذي كان فيه أمر كريم خان الزندي المتغلب على مملكة إيران قد قوي، فاغتنم فرصة ذلك الاضطراب، فأعلن الحرب على العثمانيين، وأرسل أخاه صادق خان بجيش كبير في أواخر سنة 1188ه، فحاصر البصرة ومعه الشيخ سليمان رئيس بني كعب بقبائله، وعلى البصرة يومئذ متسلما سليمان بك أحد المماليك الأتراك المعروف بأبي سعيد الذي تولى إمارتها في سنة 1182ه، فدام الحصار ثلاثة عشر شهرا في عهد السلطان عبد الحميد الأول حتى اضطر المتسلم سليمان بك بعد الدفاع الطويل إلى التسليم في سنة 1190ه، «وسبب ذلك تقاعد والي بغداد عمر باشا عن نصرته، مع أن السلطان كان قد أرسل نجدة ومالا لصد الفرس، وأرسل جماعة من القواد الكبار إلى بغداد؛ ليجهزوا الجيوش، فطمعوا بالمناصب والأموال، وتقاعدوا عن أمر البصرة، ثم حدثت بينهم فتن عديدة مما لا محل لذكرها في هذا المختصر، على أن المنتفكيين كانوا قد جاءوا نجدة للبصريين، وقاتلوا معهم، ولكنهم لما طال أمد الحصار رجعوا إلى مواطنهم.»
ولما دخل صادق خان البصرة بعد أن أمن المتسلم والوجوه أسر المتسلم وجماعة من الأشراف والأعيان والتجار، وساقهم مخفورين إلى شيراز عاصمة أخيه كريم خان، واضطهد الأهلين حتى إذا ما كانت سنة 1192ه حدثته نفسه بالاستيلاء على بلاد المنتفك، فجهز جيشا كبيرا فسيره بقيادة أخيه محمد علي خان، وعلى المنتفك يومئذ الأميران ثامر بن سعدون وثويني بن عبد الله. فبلغ ذلك المنتفكيين فاستعدوا للقتال، واجتمعوا بالفصيلة - ويروى الفضيلة - قرب الفرات، فالتقى الجيشان، فاستمرت الحرب يوما وليلة، وكانت حرب عنيفة، فانجلت عن انهزام الفرس أشنع هزيمة بعد أن قتل منهم عدد كبير، فلحق المنتفكيون المنهزمين وطاردوهم، فغرق عدد كثير من الفرس في الفرات، وغنم المنتفكيون أموالهم وخيولهم، وعادوا منصورين إلى مواطنهم.
أما صادق خان فإنه حنق على المنتفكيين حنقا شديدا عند وصول شراذم جيشه المنهزمين، وصمم على الانتقام منهم، فجهز في سنة 1193ه جيشا جديدا لغزوهم، وسيره بقيادة محمد علي خان أيضا، وأرسل معه أخاه الآخر مهدي خان والشيخ سليمان رئيس بني كعب بقبائله العربية القحطانية. فبلغ خبر تلك الحملة المنتفكيين، فاستعدوا للحرب، فالتقى الجمعان بأبي حلانة، فأراد المنتفكيون الصلح عندما شاهدوا كثرة العدد والعدد، غير أن نفوسهم أبت قبول الشروط التي شرطها القائد الفارسي، ففضلوا الموت على الذل، فجرت بين الفريقين حرب دموية هائلة استمات فيها العرب، فهجموا هجمات عنيفة لم يسمع بمثلها؛ فانتهت الحرب بتمزيق الجيش الفارسي، ووقوع القائد محمد علي خان وأخيه مهدي خان قتيلين مع من قتل من الفرس، فانهزم من بقي منهم، فطاردهم العرب، ولحقوا فلولهم إلى البصرة، وهناك حاصروهم فيها بعد أن غنموا منهم أموالا وسلاحا وخيلا، واتفق في أثناء ذلك موت كريم خان الزندي، ووصول نعيه إلى البصرة.
فلما دخل المنهزمون من الفرس البصرة، وحاصر العرب المدينة حتى ضيقوا على حاميتها؛ خاف صادق على نفسه من أن يمد والي بغداد المنتفكيين فيقع في الأسر، وقد أصبح بعد موت أخيه وحيدا لا ناصر له خصوصا وأن زكي خان كان قد تغلب على عرش إيران، فانهزم من البصرة ليلا بأتباعه في السنة نفسها - 1193 - فدخلها المنتفكيون، وكتبوا بذلك إلى حكومة بغداد، وعلى ولايتها يومئذ الكتخدا إسماعيل بك وكيلا، فأرسل إلى البصرة متسلما نعمان بك، وانتهت هذه الحادثة بعد أن دام حكم الفرس بالبصرة نحوا من ثلاث سنوات.
تسلم نعمان بك متسلمية البصرة، وعلى أثر وصوله أطلق الفرس الأسراء ومن جملتهم سليمان بك المتسلم، فأرجعه السلطان إلى منصبه بعد أيام قليلة، ثم وجه إليه بعد أشهر ولاية العراق، فعرف بالوزير سليمان باشا الكبير، وبعد وصوله بغداد بأيام أرسل سليمان أفندي متسلما للبصرة في سنة 1194ه.