وبلغ خبر استيلاء فرج الله خان على البصرة إلى السلطان، فلم يشأ أن يتركها له وهو من ولاة الفرس المستقلين في تلك الجهات، فوجه ولاية البصرة إلى والي حلب علي باشا، وأمره بجمع العساكر من البلاد لقتاله وإخراجه من البصرة، فاجتمعت الجيوش من حلب وديار بكر والموصل وسيواس وبغداد حتى بلغ عدد الجيش نحو الخمسين ألفا على ما نقل، فسار علي باشا بالجيوش حتى وصل القورنة في سنة 1111ه، فسمع داود خان بقدوم هذا الجيش الكبير فانهزم من البصرة، فدخلها علي باشا بدون قتال، فدانت له المدينة وما يتبعها من القرى والقبائل، فساد الأمن والسكون، وعادت البصرة إلى الدولة العثمانية بعد أن ملكها حاكم الحويزة الفارسي نحوا من سنتين. (6) استيلاء المنتفكيين على البصرة ثانية وطردهم منها
دخلت سنة 1114ه، فوجهت ولاية البصرة إلى محمد باشا القبودان، فدام حكمه فيها إلى سنة 1118ه، فعزل، وأرسل بدله الوزير خليل باشا، فثار في أيامه - في سنة 1120ه - أمير المنتفك الشيخ مغامس، وهجم على البصرة، فاستولى عليها عنوة، فاضطربت الأحوال، وفقد الأمن، وسادت الفوضى، فبلغ ذلك السلطان، فأصدر أمره إلى والي بغداد حسين باشا بتجميع الجيوش وإخراج الأعراب من البصرة، فصدع الوالي بالأمر، وجاءته النجدات بأمر من السلطان من حلب والموصل وديار بكر وشهرزور، حتى اجتمع عنده جيش كبير، فسار به قاصدا البصرة.
واتصل خبر هذه الحملة بمغامس فجمع الجموع من المنتفكيين والنجديين، واستعد للحرب، وبنى قلعة كبيرة على نهر عنتر في القورنة حشد فيها جموعه، فوصله الجيش العثماني فأحاط به من كل الجهات، فدارت بين الطرفين حرب هائلة انتهت بهزيمة أمير المنتفك في سنة 1121ه، فاحتل حسين باشا القورنة، ثم توجه إلى البصرة فدخلها ظافرا، فوجهت ولايتها إلى كتخدا بغداد مصطفى أغا، وبعد أن نظم حسين باشا شئون البصرة، وجعل عليها حامية عاد إلى بغداد، وعادت الجيوش إلى أماكنها، وانتهت تلك الفتنة.
وبقيت ولاية البصرة تنتقل من وزير إلى آخر كلهم من الأتراك العثمانيين من سنة 1124ه إلى سنة 1156ه، ولم يحدث فيها في هذه المدة غير تبديل الولاة وبعض الحوادث الطفيفة بين القبائل العربية تارة وبينهم وبين الولاة أخرى مما لا أهمية له. (7) إغارة نادر شاه على البصرة
عندما خلع الشاه عباس الثالث الصفوي وتوصل القائد الفارسي نادر خان إلى الجلوس إلى عرش إيران وقرض الدولة الصفوية، وأعلن ملوكيته في سنة 1148ه وسمي نادر شاه، ولقب نفسه بطهماسب الثالث؛ طمع بالعراق، فأشهر الحرب على الدولة العثمانية، فأغار على البصرة والقورنة في سنة 1156ه، ثم توغل في البلاد الفراتية، ووصل الحلة، ثم حاصر بغداد في عهد الوزير أحمد باشا، فلم يتمكن من أخذها، وظلت الحرب بينه وبين الأتراك إلى سنة 1159ه، فتم الصلح بينه وبينهم، ولم نقف على تفاصيل هذه الغارة على البصرة، والظاهر أنه لم يدخل المدينة.
وظل العثمانيون بعد هذه الحادثة يولون على البصرة متسلما بعد متسلم إلى سنة 1188ه، ولم يحدث فيها في هذه الأعوام الطوال شيء يستحق الذكر سوى ثلاثة حوادث؛ الأولى: ثورة أمير قشعم محمد بن مانع في سنة 1137ه، فأخضعه والي البصرة عبد الرحمن باشا، ثم عفا عنه وأمنه بعد أن أخذ منه أموالا كثيرة، والثانية: هجرة الشيخ سليمان رئيس قبيلة بني كعب، والتجاؤه بكريم خان الزندي في سنة 1178ه، فأسكنه مع قبيلته بأرض الدورق، وصار تابعا للفرس بعدما كان تابعا للدولة العثمانية؛ بسبب ما قاساه من ظلم والي بغداد عمر باشا، والثالثة: صدور أمر والي بغداد عمر باشا إلى متسلم البصرة سلام أغاسي محمد أغا بقتل جماعة من الوجوه، وبمصادرة أموال بعض القبائل؛ مما سبب الاختلال بالبصرة. (8) استيلاء كريم خان الزندي على البصرة