بقي سنقر البياني حاكما على البصرة بالنيابة عن الأمير آقسنقر البخاري إلى سنة 513ه، فثار أحد أمراء الجيش اسمه غزغلي وهجم على الحجاج، وكان أمير الحج يومئذ علي بن سكبان، فقاتل الثائر حتى قتله فانهزم أصحابه إلى البصرة، فلحقهم ابن سكبان حتى دخل المدينة في أثرهم، فوجد فتنة جديدة قامت بين الحاكم وبين رؤساء الجيش، فاغتنم فرصة تلك الفتنة، فتغلب على الولاية في السنة نفسها - 513ه.
ولما استتب أمر علي بن سكبان بالبصرة كتب إلى الأمير آقسنقر البخاري يعرض له الطاعة، ويطلب منه توجيه النيابة إليه، فلم يجبه الأمير إلى ما طلب، فاستبد ابن سكبان بالأمر، ولكنه سار سيرة حسنة في البصريين وجاملهم ووالاهم، وبقي مستقلا فيها إلى سنة 514ه.
دخلت سنة 514ه، فسير السلطان محمود جيشا كبيرا بقيادة الأمير آقسنقر البخاري لطرد علي بن سكبان من البصرة، فالتقى الأميران، وتقاتل الجيشان، وبعد حروب استولى الأمير آقسنقر على البصرة عنوة في سنة 515ه ودخلها ظافرا، وانهزم ابن سكبان، فاستقام أمر الأمير في هذه المدينة مدة، حتى إذا ما كانت سنة 517ه ثار صاحب الحلة دبيس بن سيف الدولة، وخرج على السلطان والخليفة معا، فحاربته حكومة بغداد حتى تمزق جمعه، فالتجأ بقبائل المنتفك فأغراهم على غزو البصرة وأخذها فوافقوه، وساروا معه حتى هجموا عليها ودخلوها فنهبوا أسواقها، وقتلوا رئيس جيشها، فبلغ الخبر حكومة بغداد فسيرت لقتاله جيشا بقيادة البرسقي، فانهزم دبيس ومن معه، ودخلوا البادية، فدخل البرسقي البصرة بدون قتال فتولى شئونها، فبقيت البصرة تحت حكم السلاطين السلاجقة يحكمها أمراؤهم إلى سنة 547ه، ثم عادت إلى الخلفاء، وسيأتي ذكر ذلك. (16) رجوع البصرة إلى الخلافة العباسية
كانت البصرة قد خرجت من سلطة الخلفاء منذ تسلط على الخلافة بنو بويه، وأسس معز الدولة البويهي دولته في العراق في سنة 334ه في عهد الخليفة المستكفي بالله، وظلت كذلك حتى انقرضت الدولة البويهية، وقامت على أنقاضها الدولة السلجوقية في سنة 447ه في عهد الخليفة القائم بأمر الله، وتوالى حكم سلاطين السلاجقة على العراق، وليس للخلفاء غير الخطبة والتوقيع على المناشير حتى مات السلطان محمود السلجوقي في سنة 525ه وجلس ابنه السلطان داود، فثار عليه عمه السلطان مسعود، فاستمرت بينها الحروب إلى أن تغلب على الأمر السلطان مسعود في سنة 526ه، فاغتنم الخليفة المسترشد بالله فرصة تلك الحروب فأرجع أكثر حقوق الخلافة المغصوبة، وألف له جيشا في بغداد، وأصبح مطاعا نافذ الكلمة في أكثر شئون البلاد العراقية، وقاتل الخارجين عليه حتى خافه السلاجقة أنفسهم، وظل يجتهد في إرجاع جميع حقوق الخلافة مغتنما فرصة ضعف الدولة السلجوقية وبعد رجالها عنه وانشغالهم في الحروب التي دامت بينهم أعواما طوالا، ولكنه اغتر بقوته فحارب السلطان مسعود، وحمل عليه إلى همذان، وبعد حروب انحاز أكثر قواده الأتراك إلى السلطان، وغدروا به فانخذل، ووقع أسيرا في قبضة السلطان مسعود، فخدعه بعقد اتفاقية، فأوعز إلى الأتراك بقتله فقتلوه غدرا في أواخر سنة 529ه بظاهر مراغة، وعادت سلطة السلاجقة على العراق.
فتولى الخلافة بعد المسترشد ابنه الراشد بالله، ثم خلع في سنة 530ه فتولاها المقتفي لأمر الله فسعى في إعادة حقوقه حتى إذا ما توفي السلطان مسعود في سنة 547ه وكثرت الفتن والحروب بين آل سلجوق انفرد الخليفة المقتفي بالحكم في العراق، وزال نفوذ السلاجقة، وأصبح الأمر كله للخليفة لا يشاركه فيه أحد، وعادت البصرة إلى الخلفاء يولون عليها من شاءوا، وهو الذي ولى على البصرة في سنة 554ه كمشتكين التركي، وعزل عنها الشيخ معروف رئيس المنتفق الذي تولى إمارتها منذ سنة 532ه.