وقوي أمر إسماعيل، وكثرت جموعه، واتسعت إمارته، وازداد قوة بالاختلاف الواقع بين السلاطين السلاجقة، فخفف الضرائب والرسوم عن أهل البصرة؛ ليجلب قلوبهم إليه، ثم راسل سيف الدولة وأظهر له أنه في طاعته. ثم حاول أخذ واسط ففشل، وفي أيامه حمل في سنة 495ه على البصرة أبو سعيد بن مضر صاحب عمان، فوصلت جيوشه شط العرب فقطعوا الطريق وقتلوا ونهبوا، ثم جرت مراسلات في الصلح بين أبي سعيد وبين إسماعيل فلم يتم الصلح، فحمل أبو سعيد على إسماعيل فاقتتل الجيشان فانكسرت عساكر إسماعيل، فاضطر إلى طلب الصلح فتوسط بينهما وكيل الخليفة؛ فتم الصلح على يده.
فلما استقر الأمر للسلطان محمد السلجوقي أراد أن يرسل إلى البصرة مقطعا يأخذها من إسماعيل، فخاطب في ذلك سيف الدولة صاحب الحلة حتى أقرت البصرة على سيف الدولة، فوجه السلطان عميدا إليها ليتولى ما يتعلق بالسلطان
48
هناك فمنعه إسماعيل ولم يمكنه من عمله، فبلغ السلطان محمد ذلك، وكان قد تولى السلطنة بعد موت أخيه بركيارق في سنة 498ه، فأمر سيف الدولة بطرد إسماعيل من البصرة. (13) إمارة سيف الدولة على البصرة
تهيأ سيف الدولة لقتال إسماعيل، ولكنه اشتغل بقتال منكبرس الذي خرج على السلطان وقصد واسطا؛ فأخر مسيره إلى البصرة، ولكنه أرسل إلى إسماعيل عاملا من قبله فقبض عليه إسماعيل واعتقله. فوصل الخبر إلى سيف الدولة فجهز جيشا كبيرا قاده بنفسه وقصد البصرة في سنة 499ه.
ولما بلغ إسماعيل قدوم سيف الدولة بالجيوش استعد للحرب، وحصن المدينة وقلاعها، واعتقل الوجوه من العباسيين والعلويين وغيرهم من الأعيان، فحاصر سيف الدولة المدينة برا ونهرا، وكان جيشه عشرين ألف مقاتل - على ما نقل، فخرج لقتاله إسماعيل ففشل فتحصن بالمدينة وأخذ بالدفاع، فدام الحصار أشهرا، ثم هجمت جنود سيف الدولة هجمة نهائية فدخلت المدينة في سنة 500ه، وانتهت هذه الحادثة بانتصار سيف الدولة ودخوله ظافرا. فانهزم إسماعيل إلى قلعة الجزيرة فامتنع بها، ثم طلب الأمان، فأمنه سيف الدولة فسار إلى فارس.
ومما يؤسف عليه أن جيش سيف الدولة حينما دخل البصرة فاتحا نهب بعض المحلات، وعلى ما نقله بعضهم أنهم استمروا على النهب ثلاثة أيام ثم نودي بالأمان.
ومكث سيف الدولة في البصرة أياما نظم فيها شئون المدينة، ثم استناب عنه مملوكا كان لجده دبيس اسمه التونتاش - ويروى: نونتاش، والنوشاش - وجعل معه مائة وعشرين فارسا، وسار هو إلى مقره الحلة.
مضت ثلاثة أشهر على نيابة التونتاش على البصرة، فاجتمعت ربيعة وانضم إليها المنتفكيون ثم قبائل أخرى من الأعراب، واتفقوا على غزو البصرة، وكانوا على ما يروى خمسة آلاف مقاتل، فهجموا على البصرة، فقاتلهم التونتاش فانهزم لقلة جيشه فأسروه، ودخلوا البصرة عنوة في سنة 500ه، فقتلوا ونهبوا أكثر الأسواق والدور، وأحرقوا بعضها، وخربوا كثيرا من الدور، حتى قال بعضهم: خرب في هذه الحادثة نحو الستة آلاف دار وعشرة آلاف دكان، منها حرقا ومنها هدما، ودام النهب والسلب شهرا، ثم خرجوا بعد أن انهزم أكثر البصريين من أوطانهم وتفرقوا في البلاد.
وبلغ سيف الدولة خبر غارة الأعراب على البصرة وأسر نائبه، فأرسل جيشا لطردهم، فوصل جيشه وقد خرج القوم من المدينة وفارقوها. (14) إمارة الأمير آقسنقر البخاري على البصرة
عندما اتصل بالسلطان محمد السلجوقي خبر هجوم الأعراب على البصرة وما فعلوه فيها من الأفعال المنكرة من نهب وقتل وتخريب؛ انتزع إمارتها من سيف الدولة في سنة 502ه، وولى عليها الأمير آقسنقر البخاري، وجعله شحنة وعميدا،
49
فاستقام أمره فيها، فعاد كثير من البصريين إلى أوطانهم، فأقام هذا الأمير إلى سنة 505ه، ثم استخلف عليها سنقر البياني، وسار هو إلى فارس. فأحسن سنقر السياسة والتدبير، وسار سيرة مرضية في الأهلين، فبقيت البصرة تحت حكمه بالنيابة عن الأمير آقسنقر حتى مات السلطان محمد ببغداد في سنة 511ه، وجلس مكانه ابنه السلطان محمود، فأقره على عمله، وفي أيامه مات الخليفة المستظهر بالله في سنة 511ه فبويع بالخلافة لابنه المسترشد بالله. (15) استيلاء ابن سكبان على البصرة