تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى إثر اندحار جيش القائد منصور وقتله استولى الزنوج على الأهواز والأبلة وعبادان وواسط، وقوي أمرهم، واشتدت شوكتهم، فأعادوا الكرة على البصرة، فاجتمع البصريون، وألفوا منهم جيشا بلغ عدده عشرين ألف مقاتل، وخرجوا للدفاع، فدامت الحرب بينهم وبين الزنوج ثمانية أيام بلياليها، وكانت حرب دموية هائلة أسفرت عن انكسار البصريين، فاستولى الزنوج على البصرة بعد أن قتل من البصريين عدد كبير، وذلك في أواخر سنة 257ه.

ولما دخل الزنوج البصرة انهزم منها عدد كثير من البصريين، واختفى الناس في دورهم، فنهب الزنوج المدينة، وأحرقوا أكثر دورها، ودام النهب والسلب والقتل والتخريب والتدمير ثلاثة أيام، ثم أعلن قائدهم الأمان، ونادى مناديه باجتماع الناس في المسجد لاستماع الأوامر فاجتمعوا - وكانوا على ما قيل نحو مائة ألف نسمة - فأمر بقتلهم، وبإحراق المسجد وهدمه، فأعمل أصحابه السيف في البصريين، فلم ينج منهم إلا من فر.

وبلغ الخليفة المعتمد خبر سقوط البصرة بيد الزنوج، واستفحال أمرهم، فجهز جيشا كبيرا، وسيره بقيادة أحمد المولد - ويروى: محمد - فاندحر أحمد، واضطر الخليفة إلى تجهيز جيش آخر في سنة 258، وأرسله بقيادة مفلح، فأصاب مفلحا سهم فقتله، فانهزم جيشه، فأرسل الخليفة أخاه أبا أحمد طلحة الملقب بالموفق بالله، وسيره بجيش كثيف، وكتب إلى بغداد وغيرها من المدن العراقية يأمر الولاة بجمع الجيوش وإرسالها مددا للموفق.

فسار الموفق حتى وصل نهر معقل - بالقرب من البصرة - والتقى بالزنوج هناك، فجرت بينه وبينهم حروب عنيفة اندحر في آخرها الزنوج، ووقع كثير منهم في الأسر، وفيهم قائدهم يحيى بن محمد البحراني، فإنه وقع أسيرا في قبضة الموفق، فأرسله إلى بغداد، ومنها أرسل إلى سامرا، فأمر الخليفة بقتله.

وكانت البصرة حينذاك قد فشا فيها الطاعون، وسرى منها إلى واسط وغيرها، فعاد الموفق إلى سامرا بعد هذا الانتصار، وتفرقت أكثر جنوده. فأرسل الخليفة في سنة 259ه إسحاق بن كنداج، فقاتل الزنوج فدحرهم عدة مرات، ولكنه لم يتمكن من الانتصار عليهم انتصارا نهائيا، فأرسل الخليفة قائده موسى بن بغا التركي بجيش كبير، فانتصر موسى على الزنوج، وقتل منهم عددا كبيرا، فبلغ انتصاره البصريين فثاروا على من عندهم من الزنوج فطردوهم، وتلاهم أهل أبي الخصيب فثاروا على الزنوج، ومنعوا إرسال الذخائر إليهم، فضاق الحال بالزنوج.

ولما كانت سنة 260ه استقال القائد موسى بن بغا من ولاية البصرة وقيادة الجيش، فأرسل الخليفة بدله مسرورا البلخي، وأودع إليه قتال الزنوج، فالتقى بهم وحدثت بينه وبينهم معركتين، فعاد إلى بغداد بسبب حدوث فتنة فيها.

دخلت سنة 261ه فجهز الخليفة جيشا جديدا، وسيره بقيادة أخيه الموفق - مرة ثانية - إلى البصرة لقتال الزنوج، وسير معه ابنه أبا العباس، فسار الموفق بجيش جرار - قيل: كان عدده خمسين ألف مقاتل - حتى وصل بالقرب من البصرة، فعسكر في الجهة الشرقية منها بالقرب من شط العرب، وبنى هناك مدينة اتخذها مقرا للحركات الحربية فسميت الموفقية؛ نسبة إليه. ثم جلب إليها التجار والباعة فابتنى فيها سوقا، فبنى الناس المنازل، وعمرت حتى صارت مدينة كبيرة، وبقيت مركزا لسوق الجيوش حتى انتهى الموفق من أمر الزنوج كما سنذكره.

أما الزنوج فإنهم كانوا قد بنوا لهم مدينة كبيرة في غربي نهر أبي الخصيب وسموها المختارة، وبنوا عليها سورا وأبراجا وخندقا، وجعلوا لحمايتها ثلاثة آلاف مقاتل، وجمعوا فيها عددا عظيما من النساء والأطفال الذين نهبوهم في غاراتهم على البصرة والأبلة والأهواز وغيرها، واتخذوا هذه المدينة مركزا للحركات الحربية، كما اتخذ الموفق مدينته مقرا لسوق الجيوش.

انتهاء أمر الزنوج

ظل الموفق يسير الجيش برا ونهرا لقتال الزنوج، والخليفة يمده بالعدد والعدد، فانتصر الموفق في أكثر المواقع، وكانت الجيوش البرية تحت قيادته والجيوش النهرية بقيادة أبي العباس، وظل النصر حليف الموفق حتى اضطرت القبائل المتفقة مع الزنج إلى طلب الأمان والعفو، وشرعت تلك القبائل تنحاز الواحدة تلو الأخرى إلى الموفق؛ فضعف أمر الزنوج، وقوي أمر الموفق وكثرت جيوشه، وتم له النصر في شهر جمادى الآخرة سنة 270ه، واحتل مدينتهم المختارة، وقتل رؤساء تلك الفتنة، واستولى على أموالهم ودورهم، وقتل زعيمهم علي بن عبد الرحيم، وأرسل رأسه إلى أخيه المعتمد، وكان قتله بشرى عظيمة بشرى عظيمة في العراق، ثم جمع الموفق الأموال التي نهبها الزنوج من البلاد، وكذلك النساء والأطفال، فأرجع الجميع إلى أصحابها؛ فارتاح الناس والبلاد من غارات الزنوج بعد أن أتعبوا الدولة خمسة عشر عاما، وكانوا مشغلة القواد والخليفة حتى خشي منهم أن يستولوا على العراق كله في الوقت الذي كانت فيه الخلافة قد ازدادت ضعفا على ضعف، واستبد القواد والولاة في الأطراف. وقد قتل في هذه الحروب عدة من القواد، منهم: سعيد بن صالح الحاجب، ومفلح، ومنصور بن جعفر الخياط ... وغيره، وقاتلهم جماعة من القواد فلم يظفروا بهم، منهم: أحمد المولد، وأحمد بن ليثويه، وموسى بن بغا، ومسرور البلخي، وإسحاق بن كنداج ... وغيره، ولم ينتصر أحد من القواد عليهم انتصارا نهائيا غير الموفق؛ لبراعته في الأساليب الحربية، وحسن سيرته وحزمه.

مختصر تاريخ البصرة · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تاريخ البصرةص ٢٣