وكان أول ظهور صاحب الزنج هذا في إحدى قرى البصرة التي هو من أهلها، فادعى أنه من نسل الإمام علي كما تقدم، وهو في الحقيقة اسمه علي بن عبد الرحيم من ولد القيس، وزعم أنه يطلع على ما في ضمائر أصحابه وما يفعل كل واحد منهم. ثم دعا الزنوج الذين يعملون في السباخ في نواحي البصرة والكوفة واستنهضهم، فترك أكثرهم مواليهم، وقاموا معه، فأطمعهم في أسيادهم، ووعدهم أنه يملكهم ما في أيديهم، فاجتمع له خلق كثير منهم، فعبر دجلة، ونزل قرية تسمى الدينارية، وزعم أن سحابة أظلته ونودي منها: «اقصد البصرة تملكها»، فقاتل الخلافة العباسية باسم الدولة العلوية أعواما، وفعل ما فعل من قتل ونهب كما ذكرناه قبلا، ولقد بالغ بعض المؤرخين فقال: إنه قتل من البصريين مائة وخمسين ألفا، عدا الأسرى من الرجال والنساء والأطفال الذين بلغ عددهم مائتي ألف امرأة وعشرين ألف رجل وعشرة آلاف طفل، وإنه قتل في جميع حروبه نحو المليونين وخمسمائة ألف نفس، ونهب من الأموال ما قيمتها عشرين مليون دينار. (ب) انحطاط البصرة وهجمات القرامطة عليها
لما انتهت فتنة الزنوج التي أتعبت الدولة العباسية أعواما طوالا ولى الخليفة المعتمد إمارة البصرة في سنة 271ه العباس بن تركس، وأمره بتعمير ما خربته تلك الفتنة، فصدع بالأمر، وعاد البصريون الذين انهزموا إلى مدينتهم، ولكن بعد الخراب، كما قيل بالمثل: «بعد خراب البصرة»؛ لأن هذه المدينة كانت قد خربت لتوالي الفتن والحروب، وأخذت منذ حادثة الزنوج بالتقهقر والانحطاط، وقل سكانها، وذهب أكثر عمرانها، وزالت ثروتها وخيراتها.
ولما توفي الخليفة المعتمد ببغداد في سنة 279ه وتولى الخلافة المعتضد بالله ولى على البصرة أحمد بن محمد بن يحيى، فظهر في أيامه في سنة 285ه في البحرين رجلا يدعى أبو سعيد الجنابي، وكان قد تأمر على القرامطة، وجمع حوله جماعات من رعاع الناس، وفتك بأهل البحرين والقطيف، ثم قصد البصرة في سنة 286ه، فكتب إلى الخليفة المعتضد بالله أميرها أحمد يخبره بما عزم عليه زعيم القرامطة من الهجوم على البصرة، فأمره ببناء سور البصرة، فبناه وأنفق عليه أربعة عشر ألف دينار.
وعلى إثر ذلك هجم أبو سعيد القرمطي بجموعه على البصرة في سنة 287ه فجمع أميرها أحمد
47
أهلها، وضمهم إلى عساكره التي أرسلها إليه الخليفة، وكانوا ثلاثة آلاف مقاتل، فدافع عن المدينة حتى طرد القرامطة فعادوا بالفشل، ولكنهم انتصروا على جيوش الخليفة بالبحرين. ثم انتشرت القرامطة في سنة 289ه - في السنة التي مات بها ببغداد الخليفة المعتضد وتولى مكانه ابنه المكتفي - في أطراف الكوفة، فوجه الخليفة إليهم جيشا فانتصر جيش الخليفة، وقتل منهم عدد كبير، وأسر زعيمهم أبا سعيد وجماعة من أصحابه، وجيء بهم إلى بغداد، فعذبهم الخليفة، فمات أبو سعيد الهجري تحت العذاب، وقتل قائده أبو الفوارس مع أصحابه المأسورين، وعلى أثر ذلك أمر القرامطة عليهم أبا طاهر سليمان بن أبي سعيد، وحملوا على البصرة وحاصروها في السنة نفسها - 289 - ودامت الحروب بينهم وبين البصريين ثمانية عشر يوما، فانتصر البصريون، وعاد القرامطة بالفشل والخسران.
وتوفي الخليفة المكتفي بالله في سنة 295ه وتولى الخلافة بعده المقتدر بالله، فولى على البصرة في سنة 299ه محمد بن إسحاق بن كنداج، وفي أوائل أيامه زحف القرامطة على البصرة بقيادة زعيمهم أبي طاهر سليمان، فوصلوا البصرة على حين غفلة من أهلها في يوم الجمعة، والناس في الصلاة؛ فدخلوا المدينة، وقتلوا من صادفهم من أهلها، فأسرع الأمير محمد وجمع الجنود فقاتلهم حتى طردهم. (ج) الفتن في البصرة وهجوم القرامطة أيضا
لم تكد البصرة تستريح من هجمات الخوارج حتى قامت فتنة أهلية فيها في سنة 305، وكانت أولا بين قائد الجيوش الحسن بن خليل وبين أمير البصرة، فانحاز الأهلون إلى الأمير، فحقد القائد فهجم عليهم وهم في المسجد يصلون فقتل عددا كبيرا منهم، فثاروا عليه وقاتلوه؛ فحدثت فتنة كبيرة داخل المدينة. فلما وصل الخبر إلى الخليفة ببغداد اكتفى بعزل القائد، فعزله وأرسل بدله أبا دلف هاشم بن محمد الخزاعي.