وتولى البصرة بعد داود محمد بن عباد المهلبي في سنة 216ه، فمات في السنة نفسها، فولى المأمون بدله عجيف بن عتبة، ولما توفي المأمون في سنة 218ه وتولى الخلافة أخوه المعتصم بالله أقر عجيفا على إمارته، فظهر الزط مرة أخرى في أيامه في سنة 219ه، وغلبوا على طريق البصرة، ونهبوا بعض القرى المجاورة للبصرة، وأحرقوا بعضها، وأخذوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها من البصرة، فأمر الخليفة عجيفا بقتالهم، فخرج إليهم بجيشه فانتصر عليهم، وقتل منهم نحو الخمسمائة حتى اضطر الباقون إلى طلب الأمان والعفو، فأمنهم عجيف على شرط أن لا يعودوا إلى الفساد، وذلك في سنة 220ه.
ودامت إمارة عجيف على البصرة إلى أن توفي المعتصم في سنة 227ه، وتولى الخلافة ابنه الواثق بالله، فأقر عجيفا على عمله، ثم مات الواثق في سنة 232ه، وتولى الخلافة أخوه المتوكل على الله، فعزل عجيفا وولى على البصرة عمير بن عمار في السنة نفسها، ولم يحدث في البصرة بعد حادثة الزط ما يخل بالأمن. (9-5) الفتن في البصرة
بقي عمير بن عمار على إمارة البصرة إلى سنة 239ه، فتولى إمارتها محمد بن رجا، وفي أيامه فسدت أحوال البصرة، واختلفت كلمة أهلها، وقامت بينهم الفتن، وانقسموا إلى فرقتين (البلالية والسعدية) وآلت تلك الفتن إلى القتال داخل المدينة، ثم ثاروا على أميرهم محمد بن رجا، وطردوه، وأخرجوا المسجونين، ونهبوا بيت المال وبيوت بعض المثرين، وظلت البصرة فوضى، ودامت الفتن والمعارك بين أهلها إلى أن قتل الخليفة المتوكل في سامرا في سنة 247ه، وتولى بعده ابنه المنتصر بالله، ثم مات في سنة 248ه، وتولى الخلافة المستعين بالله، ثم خلع في سنة 252ه وبويع المعتز، ومضت على خلافته سنة واحدة، والفوضى ضاربة أطنابها بالبصرة، وقد تولى إمارتها في هذه المدة جماعة من الولاة، فلم يتمكنوا من إصلاح الحال ولا استقام أحد منهم شهورا؛ بل كان بعضهم يستقيل، وبعضهم يعزل، ومنهم من يطرد، ومنهم من يقتل، ثم سكنت تلك الفتن في سنة 253ه. (أ) استيلاء الزنوج على البصرة
لم يكد البصريون يستريحون من تلك الفتن التي طحنتهم وجلبت عليهم ضروب النوائب حتى ظهر في سنة 254ه رجل ادعى الغيب، وزعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين ابن الإمام علي، وجمع الزنوج الذين كانوا يسكنون السباخ، فالتف حوله منهم نحو الألفين فقوي بهم، وعاث في بادية البصرة فسادا، ثم قصد البصرة فاضطر البصريون إلى قتاله، فحدثت بين الفريقين عدة معارك حتى تمكن البصريون من صده بعد أن قتل منهم أكثر من ألف رجل.
ولما انسحب صاحب الزنج عن البصرة نهب أكثر القرى، وأحرق بعضها، وكان قد تولى الخلافة المهتدي في سنة 255ه، وبلغته أعمال صاحب الزنج، فأرسل في السنة نفسها أميرا على البصرة الأحوص الباهلي، وسير معه جيشا كبيرا بقيادة جعلان التركي لقتال الزنوج؛ فحدثت بين الطرفين حروب عديدة فاز في آخرها صاحب الزنج، واضطر القائد جعلان إلى تحصين البصرة والدفاع عنها، وألف البصريون جيشا منهم فكان فرقتين - السعدية والهلالية، وعلى إثر ذلك هجم الزنوج على البصرة في سنة 256ه في الوقت الذي تولى فيه الخلافة المعتمد على الله، فجرت بين الزنوج وبين البصريين حروب عنيفة دامت أحد عشر يوما، انتهت باندحار الزنوج،
46
فعادوا عن البصرة، ولكنهم نهبوا قراها وأحرقوا بعضها، وقاتلوا سكان أبي الخصيب أربعة أيام حتى استولوا على قريتهم وأحرقوا دورها ونهبوا ما فيها وأعملوا السيف في أهلها، وقد قتل في هذه الحادثة أكثر من خمسة آلاف رجل من البصريين، ثم حمل الزنوج على الأبلة فقاتلهم أهلها فانخذلوا، واستولى الزنوج على المدينة، ثم انسحبوا منها.
فلما كانت سنة 257ه أرسل الخليفة المعتمد على الله جيشا كبيرا بقيادة سعيد بن صالح الحاجب لقتال الزنوج، فالتقى بهم سعيد فانتصر عليهم وفتك بهم، ولكنهم لموا شعثهم، وهجموا عليه هجمة المستميت، فانهزمت عساكره بعد أن قتل منهم عدد كبير، واضطر القائد سعيد إلى الهرب، فقتل، فاستولى الزنوج على معسكره، فبلغ ذلك الخليفة، فولى في أواخر هذه السنة على البصرة منصور بن جعفر الخياط، وأرسله بجيش كبير، فحدثت بينه وبين الزنوج معركة هائلة في محل يبعد عن البصرة ثلاث ساعات، فانجلت عن انتصار الزنوج، فأغرقوا سفن الخليفة، وأتلفوا من فيها من الجنود والأموال، ووقع القائد منصور قتيلا.