ولم يحدث بالبصرة منذ تولى الخلافة الهادي إلى هذه السنة - 177 - ما يكدر جو السياسة أو ما يخل بالإدارة والأمن؛ بل كانت هذه المدينة تزداد عمارتها يوما فيوما، وتكثر خيراتها شهرا فشهرا، وازدحمت بالعلماء الأعلام حتى وصلت إلى أرقى درجات الكمال خصوصا في أيام هارون الرشيد؛ فإنها صارت من أكبر مدن الإسلام، ومركزا للعلماء العظام، ومهدا للعلوم والفنون والآداب، وقد زارها هذا الخليفة في سنة 180ه وبقي فيها بضعة أيام يتفقد شئونها، وينشط علماءها على سعيهم المتواصل، ثم عاد إلى بغداد، فولى عليها في سنة 181ه إسحاق بن سليمان، ثم انتقلت إمارة هذه المدينة في عهده من إسحاق بن سليمان إلى سليمان بن أبي جعفر في سنة 184ه، ثم إلى عيسى بن جعفر في سنة 185ه، ثم إلى الحسن بن جميل في سنة 187ه، ثم إلى عيسى بن جعفر في سنة 189ه، ثم إلى جرير بن يزيد في سنة 190ه، ثم - بعد ستة أشهر - إلى عبد الصمد بن علي العباسي - ثانية - ثم إلى إسحاق بن عيسى بن علي في سنة 193ه.
ولم يحدث في أيام هارون الرشيد في البصرة ما يخل بالسياسة أو الإدارة؛ بل كانت زاهية بفحول العلماء الذين انتهت إليهم رياسة أكثر العلوم العقلية والنقلية، وزادت عمارتها، وكثرت ثروتها، وعظم شأنها، وراجت فيها العلوم والآداب والفنون.
ولما توفي الخليفة هارون الرشيد في سنة 193ه وتولى ولي عهده ابنه محمد الأمين أقر إسحاق بن عيسى على البصرة، فخرج في السنة نفسها في أطراف البصرة ردان الحروري، وثار على الحكومة بجموعه، فانخذل وتمزقت جموعه.
وبقيت البصرة بعد هذه الحادثة في زهو واطمئنان إلى سنة 195ه، فأرسل الخليفة محمد الأمين أميرا عليها المنصور بن المهدي العباسي، وفي أيامه حدثت فتنة الأمين والمأمون، واستولت جيوش المأمون على الأهواز والكوفة وواسط، فاضطربت البصرة، وعزم أهلها على تحصينها وقتال جيش المأمون إذا اقترب منها انتصارا للأمين، فأبى أميرهم المنصور ذلك حقنا للدماء، فأعلن خلع الأمين وبيعة المأمون، وخطب له على منبر البصرة، فبلغ ذلك المأمون فأقره على إمارته، ولكنه وجه في سنة 196ه إمارة العراق إلى الحسن بن سهل، وضم إليه فارس والبحرين، فولى ابن سهل على البصرة العباس بن محمد الجعفري، وكانت بغداد يومئذ قد حاصرها طاهر بن الحسين قائد المأمون، ولم يبق للأمين غيرها. (9-4) البصرة في عهد المأمون
ولما تم أمر الخلافة للمأمون بعد مقتل الأمين في سنة 198ه بقيت البصرة من أعمال الحسن بن سهل، وظل عليها العباس بن محمد الجعفري إلى سنة 200ه، وكان قد خرج في هذه السنة أبو السرايا الطالبي، وجمع جموعا كثيرة، واستولى على الأهواز وواسط والكوفة، ثم سار بجموعه إلى البصرة، وألقى عليها الحصار، فدافع عنها أميرها العباس بمن معه من الجنود الأهلية، وبعد حروب شديدة انتصر أبو السرايا في السنة نفسها، ودخل البصرة، وبقيت هذه المدينة في قبضة الطالبيين إلى سنة 204ه، فأرسل الخليفة المأمون جيشا كبيرا يقوده أخوه صالح بن هارون الرشيد لاسترداد البصرة، فجرت بين الفريقين معارك عنيفة دامت نحو شهر، فانجلت عن انتصار جيوش المأمون، ودخول صالح البصرة ظافرا في السنة نفسها.
ومكث صالح على إمارة البصرة إلى سنة 206ه، فولى المأمون عليها داود بن مسجود، وضم إليه البحرين واليمامة، وفي أيام هذا الأمير ظهر الزط في طريق البصرة، ونهبوا بعض القرى،
45
فقاتلهم داود حتى أعاد الأمن إلى نصابه، وبقي على إمارته إلى سنة 215ه.
وفي أيامه في سنة 210ه أمر الخليفة المأمون بإحصاء من في البصرة من العلماء والتلاميذ، فبلغ عدد العلماء سبعمائة وعدد تلامذتهم أحد عشر ألفا، فلما وقف المأمون على هذا الإحصاء سر سرورا عظيما، وأحب أن ينشط المحتاجين منهم فأمر بتخصيص رواتب لهم، وأمر بإرسال نسخ من مؤلفات أولئك العلماء، فجمعوا له ما ألفوه من الكتب العلمية المختلفة في مدة عشرين سنة، فكانت على ما ذكره بعض المؤرخين أكثر من مائتي ألف مؤلف بين صغير وكبير أرسلت إلى المأمون في ثلاثة سفن، فلما وصلت بغداد ضمها المأمون إلى مكتبته.