وظن ابن زياد أنهم صدقوه، وأنهم بايعوه بنية خالصة، فبعث إلى أهل الكوفة من يطلب بيعتهم له فأبوا ذلك، وأمروا عليهم عامر بن مسعود حتى يجتمع الناس، ثم كتبوا إلى ابن الزبير بمكة يبايعونه بالخلافة، فلما علم البصريون بما فعله الكوفيون خلعوا طاعة ابن زياد، وسخروا منه واحتقروه - ويروى أنهم هموا بقتله - فخاف على نفسه، فاستجار بالحرث بن قيس الأزدي، ثم بمسعود بن عمرو سيد الأزد، فأجاراه، ثم هرب بحاشيته من العراق إلى الشام بعد أن أخذ من بيت المال مليونا وتسعمائة ألف درهم.
واجتمعت كلمة البصريين على توجيه الإمارة لعبد الله بن الحرث بن نوفل، فولوه عليهم إلى أن يجتمع الناس على إمام، وذلك في السنة نفسها 64ه، وهم يومئذ لا إمام لهم ، والخوارج قد صاروا على قاب قوسين أو أدنى منهم.
وخاف البصريون على أنفسهم من الخوارج، فاجتمعوا على توجيه مسلم بن عبيس القرشي لقتالهم، وجمعوا له خمسة آلاف فارس، وسيروه، فالتقى مسلم بالخوارج، فكسروا جيشه، ووقع هو قتيلا في المعركة في محل يسمى الدولاب، فجهزوا جيشا ثانيا - زهاء عشرة آلاف راجل - وأودعوا القيادة إلى عثمان بن معمر القرشي، وسيروه لقتال الخوارج، فلحقهم بفارس، فدارت الدائرة على جيش البصريين، ووقع قائده عثمان قتيلا. (8-2) خروج البصرة من يد الأمويين
وعلى إثر ما تقدم كتب البصريون إلى عبد الله بن الزبير بمكة يعلمونه أن لا إمام لهم، ويبايعونه بالخلافة، ويسألونه أن يوجه إليهم رجلا من قبله يتولى أمر البصرة،
37
فوجه إليهم عمر بن عبد الله بن عمر التميمي، وذلك في سنة 64ه، وكان البصريون يومئذ منقسمين إلى فرق وأحزاب، فاضطرب أمر الإدارة على الأمير فعزله ابن الزبير، وولى مكانه الحرث بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك في سنة 65ه - وسماه بعضهم الحارث، ولما وصل الحرث إلى البصرة جمع أهلها واستشارهم في رجل يوليه حرب الخوارج، فطلبوا القائد المشهور المهلب بن أبي صفرة، وكانت الخوارج المعروفين بالأزارقة قد استولوا حينذاك على أصفهان والأهواز وما بينهما، وتوجهوا نحو البصرة حتى اقتربوا منها، وكان المهلب قد قدم من عند عبد الله بن الزبير إلى البصرة وقد ولاه خراسان، فاجتمع أشراف البصرة وأميرها الحرث، وأحضروا المهلب، وطلبوا منه أن يتولى حرب الخوارج فاعتذر بعهده على خراسان أولا، ثم لبى طلبهم، وانتخب من البصريين ممن يعرف شجاعته ونجدته اثني عشر ألف مقاتل - ويروى عشرون ألفا،
38
وسار حتى التقى بالخوارج، وصار يزيحهم مرحلة بعد مرحلة، حتى انتهوا إلى منزل من الأهواز، وهناك حدثت بين الفريقين معركة هائلة، كاد أهل البصرة ينهزمون لولا ثبات المهلب وقوة جأشه، وأصابت المهلب ضربة في وجهه أغمي عليه منها، فظن أصحابه أنه قد مات، فهاجموا وهجموا هجمة المستميت، فقتلوا عددا كبيرا من الخوارج فيهم زعيمهم نافع بن الأزرق - وقيل: عبيد الله بن الماحوز - وانهزم الباقون هزيمة منكرة إلى كرمان وجانب أصفهان.
وبلغ أهل البصرة أن المهلب قد قتل، فرجت المدينة بأهلها وهم أمير البصرة الحرث أن يهرب، وبينما هم في خوف واضطراب إذ أقبل رسول المهلب يبشرهم بسلامته وبالنصر، ومعه كتاب المهلب يعرفهم بالظفر وبما حدث، فاستبشروا بذلك واطمئنوا إليه، وأقام أمير البصرة بعد أن هم بالهرب، وأرسل كتاب المهلب إلى ابن الزبير، وذلك في سنة 65ه وبقي المهلب يطارد الخوارج مدة طويلة.
وفي أيام إمارة الحرث بن أبي ربيعة أرسل مروان بن الحكم في سنة 65ه جيشين؛ أحدهما: يقوده ابن زياد إلى إخضاع الجزيرة، وولاه إياها على أن يسير بعد فتحها إلى العراق لأخذه من ابن الزبير، والثاني: يقوده حبيش بن دلجة لقتال عامل ابن الزبير في المدينة «يثرب»، فانتصر حبيش على أمير المدينة، فأرسل أمير البصرة الحرث جيشا من البصرة تحت قيادة حنيف التميمي نجدة لأمير المدينة فاندحر جيش حبيش، ووقع هو قتيلا في المعركة، وعادت فلول جيشه إلى الشام. أما ابن زياد فإنه لما وصل الجزيرة أتاه كتاب عبد الملك بن مروان يخبره بموت أبيه مروان، ويستعمله على ما استعمله عليه أبوه، ويحثه على المسير إلى العراق، فسار حتى إذا كان بعين الوردة قابلته عصابة كبيرة مقبلة من العراق تحت قيادة سليمان بن صرد الخزاعي الكوفي،