39
فتقاتلوا فقتل سليمان ومعظم جيشه، وأقام ابن زياد هناك يترقب الفرص للزحف على العراق.
أما عبد الله بن الزبير: فإنه لما بلغه ما كان من عزم عامله بالبصرة على الهرب عزله، وولى البصرة عبد الله بن معمر، وذلك في سنة 65ه، وفي هذه السنة حدث طاعون بالبصرة، وفتك بأهلها فماتت به أم الأمير عبد الله ثم مات هو أيضا، فولى ابن الزبير على البصرة ابنه حمزة، وكان ضعيف الرأي والتدبير، فعجز عن إدارة الإمارة، واحتقره البصريون، فعزله أبوه، وأعاد الحرث بن أبي ربيعة وذلك في سنة 66ه.
وفي أثناء تلك الفوضى السائدة في العراق وغيره كان قد خرج المختار بن عبيد الثقفي بالعراق مطالبا بدم الحسين بن علي، فاستولى على الكوفة في سنة 66ه/675م وقاتل قاتلي الحسين وظفر بهم وقتلهم، وفيهم شمر بن ذي الجوشن وعمر بن سعد بن أبي وقاص وحفص بن عمر والمذكور وغيره، وبعث برءوسهم إلى محمد بن الحنفية نجل الإمام علي، ثم حارب عبد الله بن زياد فاستولى على الموصل، ولم يزل يقاتل ابن زياد حتى قتله وأحرق جثته في سنة 67ه بعد أن هزم جيوشه، ولكنه كان غير مخلص النية لأحد؛ لأنه من جملة الطامعين بالسيادة في أثناء تلك الفوضى، فكان يدعو الناس إلى بيعة محمد بن الحنفية ظاهرا، وهو يريدها لنفسه باطنا، ولم يكن محمد راضيا بتلك الدعوة، فكتب إليه يتبرأ منه، فحول دعوته لابن الزبير فحدث بينهما اختلاف فيما أنفقه المختار من بيت المال، فخلع المختار طاعة ابن الزبير، واستقل بالكوفة، وكتب إلى علي بن الحسين يرغبه في الخلافة على أن يكون هو وأهل الكوفة أول مبايعيه، فلم يجبه علي إلى ما طلب، فخشي ابن الزبير استفحال أمر المختار فولى أخاه مصعبا العراقين، وعهد إليه أن يقاتل المختار، وأن يستعين بالمهلب بن أبي صفرة، وأن يصلح شئون المصرين - البصرة والكوفة - وذلك في سنة 67ه. (8-3) إمارة مصعب بن الزبير على العراق
تقدم ذكر الأسباب التي دعت عبد الله بن الزبير أن يولي أخاه مصعبا إمارة العراقين في سنة 67ه/687م خصوصا وأنه كان خائفا من أن يحمل عبد الملك بن مروان على العراق وليس هناك من هو كفؤ لملاقاته من القواد المحنكين، ولما قدم مصعب البصرة دخلها متلثما، فدخل المسجد وصعد منبره، فقال الناس: «أمير أمير»، فاجتمعوا، وجاء الأمير المعزول «الحرث» فسفر مصعب لثامه فعرفوه، وأمر مصعب الحرث بصعود المنبر فأجلسه تحته بدرجة، ثم قام مصعب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
بسم الله الرحمن الرحيم:
طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون
إلى قوله:
من المفسدين (فأشار بيده نحو الشام)،
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (وأشار نحو الحجاز).
ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (وأشار نحو الكوفة).
ثم قال: «يا أهل البصرة، بلغني أنكم تلقبون أمراءكم، وقد لقبت بالجزار»، ويروى أنه قال: «يا أهل البصرة، لا يقدم عليكم أحد إلا لقبتموه، وأنا ألقب نفسي بالجزار.» فصاروا يلقبونه بالجزار، ومكث مصعب في البصرة أياما.
ثم استقدم المهلب بن أبي صفرة؛ ليستعين به كما أمره به أخوه عبد الله، وجاءه أشراف الكوفة وهو بالبصرة، وطلبوا منه أن يسير لتخليص الكوفة من المختار، فجند جيشا عظيما قاده بنفسه ومعه أشراف البصريين، وسار إلى الكوفة لقتال المختار، فالتقى به، وبعد عدة معارك، حدثت بينهما معركة عنيفة دامت ثلاثة أيام متواليات، فانهزم المختار، فحصره مصعب وقتله، ونزل رجاله على حكم مصعب، وكانوا سبعة آلاف - ويروى ثمانية آلاف - فقتلهم كلهم صبرا، وبعث برأس المختار إلى أخيه عبد الله بن الزبير بمكة، وذلك في سنة 67ه. وبقتل المختار تم أمر ابن الزبير في العراق، وهدأت أحوال البصرة وغيرها، وبقي مصعب تارة يمكث في البصرة وآونة بالكوفة.