تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

واستخلف على البصرة عند مسيره إلى الكوفة سمرة بن جندب، فظلم سمرة أهل البصرة حتى قيل إنه قتل ثمانية آلاف منهم في مدة قصيرة، فبلغ ذلك زياد، فأنكر عليه عمله، فعزله، وولى مكانه عبد الله بن عمر بن غيلان.

ولما مات زياد بالكوفة في رمضان في سنة 53ه أقر معاوية على البصرة عبد الله بن عمر بن غيلان، ثم عزله في سنة 55ه، وولى مكانه عبيد الله بن زياد،

36

ثم عزله في سنة 59ه، وبعد أيام قليلة أعاده إليها.

ومات معاوية في سنة 60ه/681م، وتولى بعده ولي عهده ابنه يزيد الأول؛ فأقر عبيد الله على البصرة.

كان ابن زياد مخلص النية لبني سفيان شديدا على أعدائهم، بل إنه كان أشد من أبيه على الخوارج، حتى قيل: إنه قتل منهم يوم إمارته على البصرة عددا عظيما عدا الذين قتلهم صبرا في سنة 58ه وفيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال مرداس بن أدية، وكان سبب قتله أن ابن زياد خرج في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أدية، فقال: «خمس كن في الأمم قبلنا فقد صرن فينا:

أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين .» فلما سمع ذلك ابن زياد ظن أنه لم يجترئ عليه إلا ومعه جماعة من أصحابه، فقام وركب وترك رهانه، فلام الناس عروة وقالوا له: «والله ليقتلنك»، فاختفى عروة فطلبه ابن زياد، ثم قبض عليه فقتله، فخرج مرداس أخو عروة في أربعين رجلا بالأهواز، واجتمع حوله جماعات، فأرسل إليهم ابن زياد ألفي مقاتل تحت قيادة ابن حصن التميمي فاندحر جيش ابن زياد.

وفي أيام إمارة ابن زياد على البصرة قدم الكوفة مسلم بن عقيل داعية للحسين بن علي، وكان على الكوفة يومئذ النعمان بن بشير، فبلغ ذلك يزيد الأول، فعزل النعمان عن الكوفة، وضمها إلى ابن زياد، وكتب إليه يأمره بالقبض على مسلم وقتله أو نفيه من الكوفة، وفي الوقت الذي ورد فيه كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد وصل كتاب الحسين بن علي إلى شيعته من أهل البصرة مع مولى له اسمه سلمان، يقول لهم فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مالك بن مسمع والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم، سلام عليكم. أما بعد؛ إني أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع، فإن تجيبوا تهتدوا سبيل الرشاد، والسلام» فكتموه جميعا إلا المنذر بن الجارود فإنه فشاه لتزويجه ابنته هند من ابن زياد، فدخل عليه وأخبره بالكتاب، فطلب ابن زياد رسول الحسين، وقبض عليه وقتله.

وعلى إثر ذلك استخلف ابن زياد على البصرة أخاه عثمان بن زياد، وسار هو إلى الكوفة، فخرج لتشييعه جماعة من أشراف البصرة فيهم المنذر بن الجارود وشريك بن الأعور، فوصل ابن زياد الكوفة، وجرى ما جرى هناك من خيانة الكوفيين، وغدرهم، وقتل مسلم، ثم قتل الحسين بن علي في محرم سنة 61ه، وسودت هذه الحادثة المؤلمة صحائف تاريخ بني أمية.

وعلى إثر حادثة كربلاء ظهرت الخوارج، وعظم أمرها، فوجه ابن زياد جيشا لقتالهم بالأهواز، فاندحرت عساكره، فاغتاظ حتى كان لا يدع بالبصرة أحدا ممن يتهم برأي الخوارج إلا قتله، حتى قيل: إنه قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل من البصريين.

ولما مات يزيد الأول في سنة 64ه/684م تفاقم أمر الخوارج، وزادوا بمن التحق بهم من البصريين وغيرهم ممن كانوا على رأيهم، فاضطربت البصرة، وصار أهلها فرقا وأحزابا، وكان ابن زياد يومئذ بالبصرة، فلما بلغه نعي يزيد نادى: «الصلاة جامعة»، فاجتمع الناس بالمسجد فصعد ابن زياد المنبر وقال: «يا أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم، ودارنا فيكم، ومولدي فيكم، ولقد وليتكم وما يحصي ديوان مقاتلكم إلا سبعين ألفا، ولقد أحصى اليوم مائة ألف، وما كان يحصي ديوان عمالكم إلا تسعين ألفا، ولقد أحصى اليوم مائة وأربعين ألفا، وما تركت لكم قاطبة من أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم، وإن يزيد قد توفي، وقد اختلف الناس بالشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عددا وأعرضهم فناء وأغنى الناس وأوسعهم بلادا، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول راض من رضيتموه فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه لدينكم وجماعتكم دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على أحد يليكم حتى تقضوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة، ولا يستغني الناس عنكم»، فقالوا له: «قد سمعنا مقالتك، وما نعلم أحدا أقوى عليها منك، فهلم فلنبايعك»، فأبى عليهم ذلك ثلاثا، ثم بسط يده فبايعوه بالإمارة، وانصرفوا عنه يمسحون أيديهم بحيطان المسجد، وعبد الله لا يشعر بهم، ويقولون: «أيظن ابن مرجانة أنا ننقاد له في الجماعة والفرقة؟»

مختصر تاريخ البصرة · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تاريخ البصرةص ١٠