تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبقي «العراق» في قبضة العثمانيين 91 سنة تقريبا (948-1032ه)، ثم عاد للصفويين، ثم للأتراك.

| الدولة الصفوية الثانية

أو الدولة الفارسية السابعة في «العراق» 1032-1048ه

كانت الدولة العثمانية قد وجهت إيالة «العراق» إلى الوزير يوسف باشا في سنة 1025ه، وكان هذا الوزير ضعيف الرأي، فحدثت بينه وبين رئيس شرطة «بغداد» بكر أغا فتنة في سنة 1028ه في عهد السلطان عثمان الثاني، وكان بكر أغا قد جلب الأهلين إليه وكثرت أتباعه واستولى على جميع شئون الحكومة العراقية، من إدارية وعسكرية، حتى لم يبق للوزير غير الاسم، وآلت تلك الفتنة إلى الحروب في نفس «بغداد»، فقتل يوسف باشا واستولى بكر أغا على الولاية، وكتب إلى السلطان يطلب تثبيته فيها، فوجهت الإيالة إلى غيره، فانتقض على الدولة وأعلن استقلاله في «العراق»، فما كان من السلطان إلا أن أرسل الجيوش إلى قتاله، فلما حوصرت «بغداد» وضاق الحال ببكر أغا، استنجد بالشاه عباس الأول الذي تولى عرش إيران سنة 995ه الموافقة لسنة 1586م، ووعده بالدخول تحت سيادته على أن يكون الحكم له والخطبة والسكة باسم الشاه، فوافق على ذلك الشاه وأنجده.

وفي أثناء ذلك اصطلح بكر أغا مع القائد العثماني حافظ أحمد باشا، ووجهت إليه الإيالة ورفع الحصار عن «بغداد»، ورجعت عساكر السلطان، غير أن الجيش الفارسي الذي جاء لنجدة بكر أغا كان قد اقترب من بغداد بعد أن أبرم بكر أغا معاهدة الصلح مع القائد العثماني، فكتب بكر أغا إلى قواد الفرس يطلب منهم الرجوع ويخبرهم بما تم من أمر الصلح، فأبوا عليه ذلك وأصروا على دخول بغداد حسب أمر الشاه، وبعد مخابرات حاولت الجيوش الفارسية دخول «بغداد» فمنعها بكر أغا، فحدثت بين الطرفين عدة معارك انتصر في آخرها بكر أغا، وظل يطارد الفرس حتى أخرجهم من ديار «العراق».

فلما علم الشاه بذلك استشاط غضبا وزحف بنفسه على «بغداد» في سنة 1032ه، وهو يقود جيشا كبيرا حتى اقترب منها، وكتب إلى بكر أغا يطلب منه تسليم المدينة، فأبى بكر أغا عملا بمعاهدة الصلح التي من شروطها ألا يدع الفرس يدخلون «بغداد».

وعندها حمل الشاه على المدينة وحاصرها حصارا شديدا، وضيق عليها من كل الجهات، ودام الحصار ثلاثة أشهر، كان فيها بكر أغا مدافعا دفاع الأبطال حتى ضاق به الحال وخارت قوى عساكره، واشتد القحط في المدينة.

أما الشاه فإنه لما عجز عن فتح «بغداد» حربا، عمد إلى الحيلة والخداع وراسل سرا محمد أغا بن بكر أغا - وكان محافظا على قلعة «بغداد» - فوعده بالمناصب والأموال حتى خدعه ففتح له أبواب المدينة ليلا، فدخلتها جيوش الشاه على حين غفلة من بكر أغا والأهلين، فانهزم المدافعون واختفى الناس في بيوتهم واشتغل كل في نفسه، فما أصبح الصباح إلا والشاه قد دخل «بغداد» بمن معه، وذلك في 9 شوال سنة 1032ه الموافقة سنة 1623م.

دخل الشاه عباس الأول بغداد، فقتل أكثر رجال الحكومة التركية من عسكريين وإداريين حتى رجال الدين، منهم القاضي نوري أفندي، وخطيب الجامع الكبير محمد أفندي وغيرهما، وفتك بالسنة فتكا ذريعا، وصادر أموال المثرين منهم، وارتكبت جنوده أنواع المنكرات من قتل وسلب ونهب وتخريب، أما بكر أغا فإن الشاه قتله أشنع قتلة، ثم قتل أخاه عمر أغا أيضا، وفعل هذا الشاه أفعالا لا تأتلف مع ما كان عليه من الحكمة وحسن السيرة وحب التقدم والعمران.

وبعد أن هدأت «بغداد» أرسل الشاه وزيره قاسم خان بجيش كبير لفتح «الموصل»، فافتتح هذا القائد في طريقه «كركوك»، ثم توجه إلى «الموصل»، وعليها إذ ذاك وال تركي اسمه حسين باشا، فدافع عنها أياما ثم عجز واضطر إلى تسليمها، فدخلها الفرس واضطهدوا أهلها وفتكوا بهم كما فتكوا بأهل «بغداد»، وكان الشاه يومئذ مقيما في «بغداد»، وقد تم أمره في «العراق» - إلا البصرة - في مدة شهرين بعد فتح «بغداد»، ثم ذهب إلى «كربلاء» ثم «النجف»، ومنها عاد إلى «بغداد»، وجعل لحمايتها خمسة آلاف جندي فارسي بقيادة صفي قلى خان، وولى الحكم فيها لرجل من خاصته اسمه «صاري خان»، وكتب إلى رؤساء القبائل العربية بلزوم السكينة والطاعة، ثم عاد إلى مقره.

تاريخ الدول الفارسية في العراق · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الدول الفارسية في العراقص ٣١