فلما كانت سنة 1036ه أمر الشاه قائده صفي قلي خان بالزحف على البصرة، فحمل عليها من «بغداد»، فحاصرها حصارا شديدا، وكانت حينذاك في قبضة أمرائها المستقلين بها،
1
وبينما صفى قلي خان يهاجم «البصرة» إذ فاجأه نعي الشاه - عباس الأول الصفوي - فترك الحصار وعاد إلى مقره.
وبقيت المدن العراقية في قبضة الصفويين - عدا البصرة - ست عشرة سنة تقريبا (1032-1048ه)، ثم أخرجهم منها السلطان مراد خان الرابع العثماني في سنة 1048ه الموافقة لسنة 1638م، بعد حروب استمرت أعواما خسر فيها الفريقان - الأتراك والفرس - خسائر عظيمة، وعادت للعثمانيين في عهد الشاه صفي الدين خان الثاني المدعو «سام ميرزا» حفيد الشاه عباس الأول. (1) حملات الفرس على العراق
لما تولى عرش «إيران» الشاه طهماسب الثاني وآنس في نفسه قوة، طلب من الدولة العثمانية أن تعيد إلى مملكته جميع البلاد التي أخذتها من أسلافه، وأنفذ عنه مندوبا إلى «الأستانة» للمفاوضة مع رجال الحكومة في هذا الطلب، وذلك سنة 1142ه، فلما لم تجبه الدولة بشيء، حمل بجيوشه الفارسية على «تبريز» فاستولى عليها، ثم على «همدان» ثم «كرمنشاه»، فحدثت من أجل ذلك فتنة عظيمة في عاصمة آل عثمان، ثار الجيش فيها على رجال الدولة، ناسبا هذا الحادث إلى خيانتهم، فقتل عددا منهم، ثم امتدت الفتنة إلى السلطان أحمد الثالث فخلع سنة 1143ه، وبويع السلطان محمود الأول ابن السلطان مصطفى الثاني، فجهز هذا الجيوش لقتال الفرس، وكان الشاه قد توجه نحو «العراق» واجتاز بجيوشه الحدود ونهب القرى، ثم قصد «بغداد» سنة 1143ه وحدثت بينه وبين أحمد باشا أمير «العراق» عدة حروب كانت سجالا، وفي أثناء ذلك استرد الأتراك «تبريز»، فلما علم الشاه بذلك أوقف الحرب وانسحب من «العراق» وطلب الصلح، وكادت تقرر شروطه لولا نادر خان القائد الأكبر للجيوش الفارسية الذي عارض في تلك المعاهدة، وحمل بجيوشه على «العراق»، فعادت الحرب بين الدولتين فانتصر الفرس وتقدموا حتى حاصروا «بغداد»، فاستنجد أحمد باشا بالسلطان، وظل مدافعا حتى جاءته النجدات بقيادة الصدر الأعظم عثمان باشا الأعرج سنة 1144ه، والتقت بالفرس، وبعد معارك دموية انتصر الأتراك قرب «بغداد » وانسحب الفرس، وعلى أثر ذلك سار عثمان باشا بجيوشه قاصدا «الموصل»، فلحقه الفرس بعد أن لموا شعثهم فالتقوا به وعادت الحرب، فقتل عثمان باشا وانهزمت جيوشه، فتقدم الفرس حتى مدينة «الزور»، وعندها طلب الشاه الصلح فتقررت شروطه على أن تعاد «همدان» و«تبريز» للفرس، وتبقى «روان - أريوان» و«شروان» و«العراق» للأتراك، وتم الصلح في منتصف جمادى الأولى 1149ه.
2 (2) حملة نادر خان الأولى على العراق
ولما مات الشاه طهماسب الثاني سنة 1151ه، وخلفه ابنه الشاه عباس الثالث، تولى الوكالة عنه القائد نادر خان، فطمع ب «العراق» وحمل عليه حتى اقترب من «بغداد» وحاصرها في عهد الوزير أحمد باشا الذي تولى إيالة «العراق» سنة 1149ه،
3
فأرسلت الدولة العثمانية جيشا كبيرا لقتال الفرس، وبعد عدة وقائع اندحر الجيش الفارسي وجرح نادر خان، ولكنه بعد قليل لم شعثه وأعاد الكرة على «العراق» وانتصر على الأتراك، فوجهت الدولة العثمانية جيشا آخر سنة 1152ه، فانتصر عليه نادر خان، وعلى أثر ذلك تقررت المعاهدة الصلحية بين الدولتين على اعتبار الحدود التي كانت على عهد السلطان مراد خان الرابع فاتح «بغداد»، وعادت جميع البلاد التي كان الأتراك قد افتتحوها من الفرس إلى أهلها - الفرس - عدا «العراق». (3) حملة نادر شاه الثانية على العراق
عندما خلع الفرس الشاه عباس الثالث وتوصل نادر خان إلى الجلوس على عرش «إيران»، وقرض الدولة الصفوية وأعلن نفسه ملكا وسمي «نادر شاه»، ولقب ب «طهماسب الثالث»، طمعت نفسه ب «العراق» فطلب سنة 1156ه من الدولة العثمانية أن تعترف بالمذهب الشيعي وتعتبره مذهبا خامسا، وتخصص له ركنا في الحرم الشريف «الكعبة» - وهو يعلم أن سياسة الأتراك تخالف هذا الطلب، وأنهم بالطبع يرفضونه - فرفضت الدولة العثمانية طلبه، فاتخذ ذلك الرفض ذريعة للحرب، فحمل على «العراق» وأغار على «البصرة» و«القرنة» وذلك سنة 1156ه، وتوغل في البلاد الفراتية حتى وصل «الحلة»، ثم حاصر «بغداد» وظل يتهددها برمي القنابل أياما دافع في أثنائها الوزير أحمد باشا دفاع الأبطال، حتى عجز نادر شاه عن فتحها وسار عنها إلى «كركوك» فافتتحها، ثم توجه نحو «الموصل» فاستولى على جميع القرى المجاورة لها، ثم حاصر «الموصل» أياما، فساقت الدولة العثمانية جيشا كبيرا لقتاله، وبعد حروب كانت سجالا بين الفريقين انسحب الفرس عن «الموصل» وساروا إلى جزيرة ابن عمر، فاسترد الأتراك «كركوك»، وفي أثناء ذلك أعاد الكرة نادر شاه على «الموصل»، فرده أهلها بالخسران؛ لمناعة أسوارها التي كانت عونا لهم على الدفاع، فلما بلغ الأتراك ذلك حملوا على نادر شاه ثم ضيقوا عليه قرب «روان»، ولكنهم دحروا، وبعد ذلك وتوجه نادر شاه إلى جهة «أرضروم»، وكتب إلى السلطان محمود الأول يطلب تسليم إيالات «وان» و«الموصل» و«بغداد»، فلم يجبه السلطان بغير إرسال الجنود لقتاله، فخاف نادر شاه عاقبة التوغل في البلاد العثمانية فعدل عن طلبه، وبعد مفاوضات طويلة تم الصلح معه على اعتبار الحدود القديمة، وذلك سنة 1159ه.