3
وأمر بكري النهر الذي كان قد احتفره علاء الدين عطاء الملك حاكم «العراق» من قبل هوكو، وجره من «الفرات» إلى مدينة «النجف»؛ لأن الرمال كانت قد تراكمت فيه وسدت مجراه فسمي ب «النهر الشاهي».
4 (2) الشاه طهماسب الأول وذو الفقار الكردي
ولما مات الشاه إسماعيل (905-930) وجلس مكانه ابنه طهماسب الأول، طمع في «العراق» الأمير ذو الفقار بن نخود سلطان رئيس قبيلة موصلو من عشيرة كلهور الكردية، الذي كان مستوليا على أطراف «لورستان»،
5
فحمل بالكلهوريين على «بغداد» وحاصرها أربعين يوما، فاستولى عليها في سنة 930،
6
وأسس بها دولة كردية، وأحسن السيرة والتدبير حتى ملك «العراق» كله تقريبا، وخاف من طهماسب الأول، فاحتمى بالسلطان سليمان القانوني العثماني، وخطب له على المنابر وضرب باسمه السكة، وأرسل له وفدا لعرض خضوعه والدخول تحت سيادته، ولكنه لم يكد يستريح حتى حمل عليه الشاه طهماسب الأول سنة 936ه الموافقة لسنة 1530م، فاستعد له ذو الفقار وتحصن في «بغداد»، فحاصرها الشاه أياما حتى عجز عن استردادها لحصانة أسوارها، فاضطر لاستعمال الحيل والخداع حتى تمكن من إغراء أخوي ذي الفقار وأطمعهما بالمناصب والأموال، فاغتالا أخاهما وقتلاه - وقيل مات مسموما - وفتحا أبواب المدينة، فدخلها الشاه في السنة نفسها (936ه)، وانقرضت الدولة الكردية التي لم تدم إلا نحو ست سنوات.
دخل الشاه طهماسب «بغداد»، فسلمت له المدن العراقية كلها تقريبا، فأعاد أعمال أبيه في دار السلام من اضطهاد السنة والفتك بهم، ثم ولى على «بغداد» «بكلو محمد خان» وفوض إليه شئون البلاد العراقية، وسار هو عائدا إلى مقره، وظل رجاله في «العراق» يضطهدون أبناء السنة ويحكمون بما تشتهيه نفوسهم؛ مما حمل السلطان سليمان القانوني على الانتقام من الفرس؛ انتصارا لأبناء مذهبه السنة، فصمم على فتح «العراق» وأخذه منهم. (3) خروج «العراق» من يد الفرس
دخلت سنة 940ه الموافقة لسنة 1535م، فعزم السلطان سليمان القانوني على أخذ «العراق» من الفرس، فأرسل إبراهيم باشا الصدر الأعظم والقائد العام بجيش كبير لقتال الشاه طهماسب الأول، وسار هو في إثره بجيش آخر، فدخل إبراهيم باشا «تبريز» أولا بالأمان، ثم سار منها قاصدا «بغداد»، فلما اقترب منها هرب حاكمها الفارسي «بكلو محمد خان» بجيوشه؛ خوفا من الأسر، فسلمت المدينة وفتحت أبوابها للقائد العثماني، فدخلها باستقبال عظيم في شهر جمادى الآخرة سنة 941ه، وبعد أيام قليلة وصل السلطان إلى «بغداد»، ودخلها بين التهليل والترحيب والتقديس على حسب عادة العراقيين مع كل فاتح. ثم فتحت الجيوش العثمانية مدينة «الموصل» في السنة نفسها، ودانت المدن العراقية كلها للعثمانيين، وزالت دولة الصفويين بعد أن حكموا «العراق» 25 سنة تقريبا، منها نحو سنتين بعد الغارة الأولى التي كانت في سنة 914ه، وما بقي فهو بعد الغارة الثانية التي حدثت في سنة 920ه.
أما «البصرة» فإنها كانت يوم مجيء السلطان سليمان تابعة للفرس، وكان عليها حاكم فارسي اسمه راشد خان، وكان قد بلغه سقوط «بغداد» وغيرها، فخاف على نفسه ومنصبه، فسار إلى «بغداد» للمثول بين يدي السلطان وعرض الطاعة والخضوع، فرق له السلطان فأقره على «البصرة»، على شرط أن تكون الخطبة والنقود باسم السلطان، وأن يكون ممتثلا لأوامر ولاة «بغداد» الأتراك في المسائل الهامة، فعاد راشد خان إلى منصبه، ولكنه بعد قليل استبد بالأمور كأن لم تكن له رابطة بالعثمانيين، فاضطروا إلى إرسال جيش تحت قيادة الوزير إياس باشا لطرد راشد من «البصرة»، فلما قرب الجيش انهزم منها راشد ودخلها الجيش العثماني، وذلك في سنة 953ه. «وظلت هذه المدينة في قبضة الأتراك إلى سنة 1005ه، فاستقل بها أمراؤها ثم أعادها الأتراك إليهم في سنة 1078ه، ثم تغلب عليها أمير «الحويزة» فرج الله خان في سنة 1109ه، فطرده الأتراك في سنة 1111ه، وبقيت في قبضتهم إلى أن تغلب عليها كريم خان الزندي في سنة 1190ه، ثم عادت للأتراك في سنة 1193ه، وبقيت تحت حكمهم حتى قامت الحرب العامة، فاستولى البريطانيون عليها في سنة 1333ه.»