تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبلغ ذلك سبكتكين - وهو يومئذ ببغداد - فثار بمن معه من الأتراك، ونهب دار عز الدولة، واستولى على حكومة «بغداد»، وطلب من الخليفة المطيع لله أن يخلع نفسه ويسلم الخلافة إلى ابنه عبد الكريم، وكان المطيع قد أصيب في هذه السنة (363) بالفالج، وثقل لسانه وتعذرت الحركة عليه، فخلع نفسه وبايع لابنه عبد الكريم ولقبه «الطايع لله»، فتمت له البيعة (363-381ه).

أما عز الدولة فإنه كان قد سار من «الأهواز» إلى «البصرة»، ثم سار إلى «واسط»، فبلغه ما حدث ببغداد فتوجه إليها، فلما وصلها ورأى الأتراك قد استولوا على الدولة، أخذ يدبر المكيدة على سبكتكين، فأغرى رجاله الديلم بإذاعة خبر موته ليأتي سبكتكين إلى داره للعزاء فيقبض عليه، ففعلوا ذلك، غير أن سبكتكين لم تفته هذه الحيلة، فحاصر دار عز الدولة ثم وضع النار فيها، فخرج أهلها وطلب عز الدولة الذهاب إلى «واسط» بمن معه، فأذن لهم سبكتكين، فانحدروا في «دجلة» ومعهم الخليفة الطائع - وفي الحقيقة أنه طائع - فبلغ سبكتكين خروج الخليفة معهم، فأرسل جماعة من رجال لإرجاعه فردوه إلى «بغداد»، وقوي أمر الأتراك ببغداد، وعلى أثر ذلك استولى سبكتكين على جميع ما كان لعز الدولة من الأموال المنقولة والثابتة، فتحمس الديلم الذين في «بغداد» وثاروا، فنهبوا أموال الأتراك، فحدثت من جراء ذلك فتنة عظيمة وانقسم البغداديون إلى حزبين: السنة وهم أنصار الأتراك، والشيعة وهم أنصار الديلم. وبعد قتال دام بضعة أيام في شوارع المدينة وأسواقها، انتصر السنة وأحرقوا دور الشيعة، ثم هدأت الأحوال من نفسها.

أما عز الدولة فإنه عندما وصل مدينة «واسط» استنجد بابن عمه عضد الدولة المستقل ببلاد فارس، فلما علم الثاني بضعف أمر الأول وما فعله الأتراك معه، عزم على المسير لنصرته، فسار في عساكر «فارس» سنة 364ه قاصدا «واسط»، ولما وصلها واجتمع بعز الدولة اتفقا على أن يسير عضد الدولة إلى الجانب الشرقي من «بغداد»، ويسير عز الدولة إلى الجانب الغربي منها، فيحاصراها من جميع الجهات، ثم سارا بالجيوش على تلك الخطة حتى أحاطوا بالمدينة، وكان سبكتكين قد مات قبل أن يحاصرا «بغداد»، فخرج إليهما عضد الدولة والتقوا بالقرب من «تكريت»، وبعد عدة معارك، وولى الأتراك مكانه أفتكين التركي، فتجهز هذا لصد جيوش الديلم، فلما أحاطوا ببغداد اتخذ خطة الدفاع ودافع هو ورجاله دفاعا شديدا، وفي أثناء ذلك غلت الأسعار وقلت الأقوات حتى احتاج أفتكين إلى الطعام، واضطر إلى كبس بيوت البغداديين، فكبسها وأخذ منها كل ما وجده من الطعام، فاضطرب حبل الأمن وكثر النهب والسلب في المدينة وسادت الفوضى فيها، وأخيرا اضطر أفتكين إلى منازلة عدوه خارج المدينة، فخرج إليه وقاتلت جنوده قتالا شديدا، وبعد معارك هائلة انهزم بمن معه إلى «تكريت»، واستولى عضد الدولة وعز الدولة على «بغداد».

ولما كان عضد الدولة طامعا في «العراق» وعالما بضعف عز الدولة وقلة المال عنده، أغرى الجنود على أن يثوروا عليه ويطالبوه بنفقاتهم، فشغبوا عليه وبالغوا فيه، فاحتار عز الدولة؛ لأنه كان لا يملك شيئا من المال، فأشار عليه عضد الدولة بعدم الاكتراث بهم والتظاهر بالتنازل عن الملك، فظنه عز الدولة - لضعف رأيه - أنه ناصح له ومدبر، ففعل ما أشار عليه وأغلق باب داره وصرف حجابه وكتابه، فشاع في المدينة أن عز الدولة قد تخلى عن الملك، فاجتمع رجال الحكومة والجنود حول عضد الدولة، ففرق على الجيوش الأموال، وجلب إليه قلوبهم فنودي له بالملك.

ولما نجح عضد الدولة في حيلته، اعتقل عز الدولة وإخوته وصفا له الجو ببغداد.

وعلى أثر ذلك ثار في سنة 364ه المزربان بن عز الدولة، وكان متوليا على «البصرة» من قبل أبيه، وكاتب أمراء البلاد يطلب منهم نصر أبيه، فكتب إلى ركن الدولة يخبره بما فعل ابنه عضد الدولة بأبيه، فغضب ركن الدولة لهذا الأمر وكتب إلى ابنه يأمره بأن يعيد الملك إلى عز الدولة، فأجابه يعلمه بضعف رأي عز الدولة، وأنه لا يقدر على ضبط الملك وتدبيره، وأنه إذا ترك «العراق» له ربما ضاع من بني بويه كافة، فأساء أبوه الرد عليه وحبس وزيره ابن العميد أبا القاسم، فاحتال الوزير على ركن الدولة حتى أقنعه على شرط أنه إذا أطلقه من السجن يعيد الملك إلى عز الدولة، فأطلقه على هذا الشرط، فسار إلى «بغداد» وخوف عضد الدولة من أبيه وحذره عاقبة التعنت، وصادف ذلك انتقاض بعض العمال على عضد الدولة، واتفاق الأمراء الذين راسلهم ابن عز الدولة على قتاله واجتماع كلمتهم على نصر أبيه، فخشي عضد الدولة عاقبة الأمر، فأخرج عز الدولة من السجن وأعاده إلى منصبه، وسار عن «بغداد» راجعا إلى مقره، واستلم عز الدولة زمام الأمور.

تاريخ الدول الفارسية في العراق · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الدول الفارسية في العراقص ١٩