ولما مات ركن الدولة سنة 366ه وتولى ملكه ابنه عضد الدولة، كان عز الدولة يسعى في اجتذاب الأمراء إليه ليقوى بهم على عضد الدولة، حتى إنه أغرى بعضهم في الانتقاض عليه، فعلم ذلك عضد الدولة فعزم على أخذ «العراق» منه، وسار بجنوده نحوه، فخرج عز الدولة إلى «واسط» لصده، وبعد معارك شديدة اندحر عز الدولة وتحصن في «واسط» وطلب الصلح، فترددت الرسل بينهما أياما بدون فائدة، وأخيرا سار عضد الدولة إلى «بغداد» ودخلها بسلام، وكتب إلى عز الدولة يدعوه إلى الطاعة ويأمره بالخروج من «العراق» إلى أي قطر شاء إلا «الموصل»، فخرج عز الدولة من «واسط» قاصدا «سورية»، وذلك سنة 367ه الموافقة لسنة 977م. (4) عضد الدولة بن ركن الدولة (367-373)
عندما دخل عضد الدولة «بغداد» خلع عليه الخليفة الطائع، وتوجه بتاج مجوهر وطوقه وسوره بسوارين - على جري العادة - وقلده سيفا من الذهب، وعقد له لواءين، أحدهما مذهب والآخر مفضض، وكتب له عهدا قرئ بحضرته، وأمر أن يخطب له على المنابر بالملك، وأن يضرب اسمه ولقبه على الدراهم والدنانير، ولما خرج عضد الدولة من قصر الخلافة أرسل إلى الخليفة هدية فاخرة نقلها خمسون حمالا، من جملتها خمسون ألف دينار وألف ألف درهم - مليون - وخمسمائة ثوب من الحرير وثلاثين صينية مذهبة فيها المسك والعنبر والكافور والند وغير ذلك من الثياب والفرش والخيل.
أما عز الدولة فإنه لما خرج من «واسط» قاصدا «سورية» ووصل «حديثة الفرات»، وافاه أبو تغلب بن حمدان في عشرين ألف مقاتل وكان من أنصاره، فاتفق معه على قتال عضد الدولة وإخراجه من «العراق» فزحفا على «بغداد»، ودارت الدائرة على جيش ابن حمدان وانتصر عضد الدولة وأسر عز الدولة وقتله وقتل وزيره أبا طاهر محمد بن بقية بن علي الملقب «نصير الدولة»، وكانت بينه وبين عضد الدولة عداوة لأسباب طويلة أهمها أنه أغرى عز الدولة على قتال عضد الدولة، وقد طلبه عضد الدولة بعد أن ملك بغداد وقتل عز الدولة، فقبض عليه وألقاه تحت أرجل الفيلة فقتل، فأمر بصلب جثته فصلبت عند داره بباب الطاق ببغداد، وذلك سنة 367ه، فرثاه أبو الحسن محمد بن عمران الأنباري أحد العدول ببغداد، بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
علو في الحياة وفي الممات
لحق تلك إحدى المعجزات
ويروى أن عز الدولة لما قصد «سورية» كان معه حمدان بن ناصر الدولة الحمداني، فأغراه حمدان على أخذ «الموصل» من أخيه أبي تغلب بن ناصر الدولة - وكان مغاضبا لأخيه - فلما وصل «تكريت» أوفد إليه أبو تغلب رسولا يسأله القبض على حمدان وإرساله إليه، وأنه إذا فعل ذلك سار إليه بنفسه ليقاتل عضد الدولة ويعيده إلى ملكه، فقبض بختيار على حمدان وسلمه إلى رسل أبي تغلب، فحملوه إليه فحبسه، ثم سار بختيار بعشرين ألف مقاتل واجتمع بأبي تغلب عند «حديثة»، ومن هناك زحفا على عضد الدولة وانتشبت الحرب بينهما، فانتصر عضد الدولة وأسر بختيار ثم قتله، وفر أبو تغلب بأصحابه راجعا إلى «الموصل»، فنقم عضد الدولة على أبي تغلب لخيانة العهد والولاء، وسار إلى «الموصل» فرحل عنها أبو تغلب إلى «نصيبين»، فأرسل عضد الدولة جيوشه في طلبه، فخرج أبو تغلب من «نصيبين» فتبعته جنود عضد الدولة حتى اضطر إلى الهرب إلى «أرضروم» ومنها إلى غيرها، وسار إلى «سورية» وأخيرا قتل هناك، وانقرضت دولة الحمدانيين من «الموصل» بعد أن دامت نحو أربع وسبعين سنة، أي منذ ولاية أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان في خلافة المكتفي سنة 293ه، إلى أن استولى عضد الدولة عليها سنة 367ه، وطرد أبا تغلب بن ناصر الدولة وضبط بلاده، ولما تم الأمر لعضد الدولة فيها جعل عليها أبا الوفاء طاهر بن محمد، وعاد هو إلى «بغداد».
ولما تم أمر عضد الدولة الدولة في «العراق» طمع في الاستيلاء على «البطيحة»، وأرسل جيشا بقيادة وزيره المطهر بن عبد الله، فهزمه الحسين بن عمران، ولما لم يكن المطهر هزم قبلا خاف سقوط منزلته عند عضد الدولة، فقتل نفسه، وعلى أثر ذلك صالح عضد الدولة أمير «البطيحة» الحسين على مال يأخذه منه كل عام.