تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

ثم جرت بينهما مراسلات، فتم الصلح بينهما على أن يحمل ناصر الدولة إلى معز الدولة مبلغا من المال في كل سنة عن «الموصل» و«ديار بكر» و«ديار مضر» و«الجزيرة».

الاضطرابات في العراق

وفي السنة نفسها (335ه) انتفض أبو القاسم بن البريدي ب «البصرة»، فأرسل معز الدولة جيشا لقتاله، فبلغ ذلك ابن البريدي فسير جيوشه للقتال، فالتقى الجمعان في «واسط»، فدارت الدائرة على جيش ابن البريدي وبلغه خبر الهزيمة، فجهز جيشا ثانيا، فخرج معز الدولة من «بغداد» بجيش كبير ومعه الخليفة المطيع لله قاصدا طرد ابن البريدي من «البصرة»، فلما وصل إلى «الدرهمية» استأمن إليه جيش «البصرة»، فاضطر ابن البريدي إلى الهرب وفر إلى القرامطة، فدخل معز الدولة ومن معه «البصرة»، وذلك في 336ه، وبعد أن نظم شئونها ولى عليها وزيره حسن المهلبي ورجع إلى «بغداد».

ولما كانت سنة 337ه امتنع ناصر الدولة بن حمدان عن إرسال المال المقرر إرساله إلى «بغداد»، فحمل عليه معز الدولة بجيوشه الديلم، فلما اقترب من «الموصل» فر ناصر الدولة إلى «نصيبين»، فدخل معز الدولة «الموصل» بدون قتال، وبينما هو عازم على مطاردة ناصر الدولة بلغه قدوم الجيوش الخراسانية على «جرجان» و«الري» لقتال أخيه، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة، فتم الصلح بينهما على أن يؤدي ابن حمدان عن بلاده مليونا من الدراهم في كل سنة، وأن يخطب لبني بويه في جميع بلاده: «الموصل» و«الجزيرة» و«سنجار» و«نصيبين» و«الرحبة» و«رأس العين» و«الخابور».

فرجع معز الدولة إلى «بغداد»، فانقطعت الاضطرابات أكثر من ثلاث سنوات في «العراق»، فحمل في سنة 341ه يوسف بن وجيه صاحب «عمان» على «البصرة» وحاصرها أياما، فقاتله أميرها حسن المهلبي حتى اضطره إلى الرجوع بالفشل.

فهدأت الأحوال إلى سنة 347ه، فامتنع ابن حمدان عن تأدية ما عليه من المال، فزحف عليه معز الدولة لأخذ بلاده، فانهزم ابن حمدان إلى حلب، وبعد مراسلات تصالحا وعاد كل منهما إلى مقره على أن يدفع ابن حمدان في كل سنة مليونين من الدراهم عن بلاده إلى معز الدولة.

ولم تمض سنة على ذلك الصلح حتى فسدت نية معز الدولة على ناصر الدولة، فحمل عليه بجيوشه ومعه وزيره المهلبي، وحجته في ذلك تأخير إرسال المال المقرر - والظاهر أنه كان يريد إضعافه أو محو حكومته؛ لئلا تكون بجانبه إمارة عربية قوية - ولما اقترب ابن بويه من «الموصل» فر ابن حمدان إلى «نصيبين»، ثم بدأت غارات بعضهم على بعض حتى ضعف أمر ابن حمدان، فاضطر إلى الهرب إلى «حلب» عند أخيه سيف الدولة، وكتب إلى معز الدولة يسأله الصلح، فأبى وحجته في ذلك أنه خالف مرة بعد مرة، فاضطر سيف الدولة إلى أن يكون ضمان البلاد التي لأخيه ناصر الدولة باسمه، وتعهد بدفع مليونين وتسعمائة ألف درهم سنويا، وأن يكون الحكم فيها لأخيه، فتم الصلح وعاد كل منهما إلى مقره، وذلك في سنة 348ه، وبعد مضي خمس سنوات امتنع ناصر الدولة عن دفع الضمان السنوي - أي المال - فعادت الحرب بين الفريقين، وحمل معز الدولة على «الموصل»، فانهزم منها ناصر الدولة إلى «نصيبين» فلحقه معز الدولة، فلما اقترب منه فر منها إلى «جزيرة ابن عمر»، وبينما معز الدولة يتتبع آثار ناصر الدولة في جزيرة «ابن عمر»، إذ حمل ناصر الدولة على «الموصل» بغتة ومعه أولاده وجيوشه، فدخلها وفتك بالديلم وأسر كبراءهم وغنم جميع ما فيها من الأموال والذخائر التي لمعز الدولة، فاضطر الأخير إلى عقد الصلح، فتم بينهما وعاد معز الدولة إلى «بغداد».

ولم تمض مدة قصيرة على هذه الحادثة حتى شغب الجند في «بغداد» على معز الدولة بسبب تأخير مرتباتهم، ولما كان المال الموجود غير كاف للجند، اضطر معز الدولة إلى أخذ أموال الناس بالباطل، فصادر بعض المثرين من أهل الوجاهة، فلم يغنه ذلك شيئا، فمد يده إلى ضياع الخلافة وضياع الملاكين وسلمها إلى قواده ليزرعوها ويأخذوا مرتباتهم من غلتها، ولم يكتف بهذه الأعمال المخالفة للعدل، بل إنه لما بنى سنة 350ه قصره المعروف ب «الدار المعزية» في محلة الشماسية - السليخ اليوم - وصرف عليه نحو مليون دينار واحتاج إلى المال، صادر جماعة من رجال الحكومة، ثم احتاج إلى المال لأمور أخرى فأعطى القضاء بالضمان - بالالتزام - فضمنه عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب بمائتي ألف درهم سنويا يدفعها إلى بيت المال ب «بغداد»، وسمي «قاضي قضاة بغداد» - وهو أول من ضمن القضاء في الإسلام.

تاريخ الدول الفارسية في العراق · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الدول الفارسية في العراقص ١٧