تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما أحمد بن بويه، فإنه قدم كاتبه حسن المهلبي، فلما دخل هذا «بغداد» ظهر الخليفة المستكفي ودعا المهلبي إلى داره وأظهر له السرور والفرح بانتصار أحمد وقدومه.

ثم دخل أحمد «بغداد» في شهر جمادى الأولى سنة 334ه باستقبال عظيم، وذهب إلى دار الخليفة واجتمع به، فولاه الإمارة وحلف له وخلع عليه وألبسه طوقا من الذهب وسوره بسوارين من الذهب، وفوض إليه تدبير المملكة، وعقد له لواء وأمر أن يخطب له على المنابر، ولقبه «معز الدولة»، ولقب أخاه عليا «عماد الدولة»، وأخاه الحسن «ركن الدولة»، وأمر بضرب ألقابهم على الدراهم والدنانير. (2) معز الدولة أحمد بن بويه 334-356ه

لما استتب أمر معز الدولة في «العراق» ورتب شئون البلاد، أقام ببغداد فاستأمن إليه أبو القاسم البريدي من «البصرة»، وكان حاكما عليها وضمن له «واسط» وأعمالها، فعقد له عليها في السنة نفسها (334ه)، وعلى إثر ذلك حجر معز الدولة على الخليفة، وقدر له برسم النفقة كل يوم خمسة آلاف درهم - وهو أول من فعل ذلك من البويهيين، وأول من ملك «بغداد» منهم - وبعد قليل حدثت بينه وبينه الخليفة وحشة، ورآه يسعى في إعادة حقوق الخلافة المغصوبة، فعزم على خلعه، فاجتمع به في قصر الخلافة في محفل حافل، وبينما هم جلوس دخل اثنان من كبار الديلم وتناولا يد الخليفة، فظنهما يريدان تقبيلها، فمدها فجذباه عن سريره ووضعا عمامته في عنقه، وأخذا بخناقه وساقوه ماشيا إلى دار معز الدولة في أسوأ حال، وهناك خلعوه واعتقلوه، وسملوا عينيه، وظل في دار السلطنة معتقلا حتى توفي في سنة 338ه.

أما معز الدولة فإنه لما ساق أصحابه الخليفة، نهض من دار الخلافة وسار إلى داره، فضربت البوقات والطبول، ونهب الديلم ما في قصر الخلافة من الأموال الثمينة، فاستاء الأهلون ونقموا على معز الدولة فاضطربت بغداد، فلم يبال معز الدولة بشيء، بل إنه جمع رجاله وأحضر أبا القاسم الفضل بن المقتدر فبايعه بالخلافة، وأخذ له البيعة العامة فلقبوه «المطيع لله» (334-363ه/945-973م)، ومنذ ذاك اغتصب معز الدولة ما بقي من حقوق الخلافة، ولم يبق للخليفة غير كاتب يدبر أملاكه وإقطاعه التي تركها له ليسد بها حاجاته، وأصبحت سلطة الخلافة مسلوبة تماما، ولم يبق للخليفة غير الاسم والتوقيع على المناشير، وصارت الوزارة من جهة البويهيين بعدما كانت من جهة الخلفاء.

وظل السعد يخدم معز الدولة حتى بلغ ما لم يبلغه أحد قبله في الإسلام إلا الخلفاء.

الحرب في بغداد

على أثر خلع الخليفة المستكفي ومبايعة المطيع، جهز ناصر الدولة بن حمدان - صاحب الموصل - جيشا كبيرا لقتال معز الدولة وطرده من «بغداد»؛ لأنه ساءه استيلاء معز الدولة على «بغداد» وخلعه المستكفي وسلبه حقوق الخلافة، فبلغ ذلك معز الدولة فجهز جيشا وأرسله لملاقاته بقيادة موسى بن فيادة وينال كوشه التركي، فالتقى الجيشان في «عكبرا»، فانتصر ناصر الدولة وتقدم قليلا، فاضطر معز الدولة إلى تجهيز جيش جديد قاده بنفسه وأخذ معه الخليفة، فحدثت بين الفريقين حروب شديدة، فأرسل معز الدولة في أثناء ذلك القائد زيرك بن شيرزاد التركي - الذي التحق به - بفرقة من عساكره إلى «بغداد» لخلوها من الجيوش، فاستولى عليها زيرك بغتة باسم «ناصر الدولة»، وعلى أثر ذلك توجه ناصر الدولة من «سامر» إلى «بغداد»، فانحاز إليه ينال كوشه ومن معه.

فبلغ ذلك معز الدولة، فسار ومعه الخليفة والجيوش إلى «بغداد»، فوجدوا ناصر الدولة قد دخلها، فافتتحوها فدخلوا الجانب الغربي منها، وانقسمت المدينة إلى شطرين؛ الجانب الشرقي في قبضة ناصر الدولة بن حمدان، والجانب الغربي بيد معز الدولة البويهي، فحدثت بين الفريقين عدة معارك هائلة داخل المدينة دامت أياما، نهب في أثنائها الديلم كثيرا من أموال الناس حتى قال بعضهم إنهم نهبوا ما يقدر بعشرة ملايين من الدنانير، وضاق الحال بمعز الدولة حتى إنه عزم على الانسحاب إلى «الأهواز»، فحملت جنوده حملة عنيفة نهائية فانتصرت، واضطر ناصر الدولة إلى الانسحاب، فخرج من «بغداد» وعاد إلى مقره، وذلك في محرم سنة 335ه الموافقة لسنة 946م،

تاريخ الدول الفارسية في العراق · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الدول الفارسية في العراقص ١٦