تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

تكمن فائدة هذا الاستشهاد الطويل في الأسئلة التي تثيرها بعض عباراته. ما الفائدة التي ترجى من عمل القلب؟ ما المطلوب من القلب؟ ما الذي ينبغي أن ينظر فيه القلب؟ ما الذي خلق من أجله القلب؟ كيف ينتفع بالقلب؟ لا يورد عبد القاهر الجرجاني سوى إجابة واحدة هي: الإيمان؛ ذلك أن القلب يتدبر ويتفكر وينظر لكي يؤمن. والعلاقة التي يقيمها بين القلب الذي لا ينتفع به من ناحية، والسمع والبصر اللذين لا ينتفع بهما من ناحية أخرى تستحضر آيات قرآنية أخرى تربط بين عدم الإيمان وقفل القلوب وصم الآذان، وعمى العيون والقلوب. «القلب» في الآية ليس بمعنى «العقل» إلا في حالة واحدة، حين يراد بالقلب ما يسميه الجرجاني بالدلالة على الغرض بالجملة؛ عندئذ يكون القلب بمعنى العقل؛ ذلك «أن المراد به (القلب) الحث على النظر، والتقريع على تركه، وذم من يخل به ويغفل عنه، ولا يحصل ذلك إلا بالطريق الذي قدمته.»

14

ما الطريق الذي قدمه الجرجاني؟ ما قدمه هو: «أصول النحو جملة، وكل ما يكون النظم دفعة ... (و) معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض.»

15

يمكن أن نفهم هذه العبارة على النحو التالي: النحو عند الجرجاني علم، بينما النظم ممارسة خاصة للنحو. النحو من حيث هو علم قابل للتعلم، بينما النظم من حيث هو ممارسة خاصة للنحو تعلم للنحو وتدرب عليه في آن. بإمكان أي أحد أن يتعلم النحو ويبرع في تعلمه إلى حد يطلق عليه علامة في النحو، لكنه لا يستطيع أن يستخدم ما تعلمه في النحو في تحليل الكلام الجميل والكلام المعجز؛ لأنه لم يتدرب على تشغيل النحو بما يكفي.

النحو كتركيب نظري والنظم كممارسة عملية

يجد النحو كنظرية والنظم كممارسة أساسهما في مضمون الكلام المعجز؛ انسجام البشر في حياتهم اليومية مع مضمون الكلام المعجز يحتاج إلى التأويل. بمقتضى هذا الانسجام تنشأ علاقة بين حياة البشر اليومية وبين معنى العالم الذي يريد الكلام المعجز أن يبنيه للبشر. قد ترد تعاليم الكلام المعجز غامضة أو منصهرة في القول بكيفية لا تقبل الفصل مما يقتضي الأمر التأويل والتنقيب. من هذا المنظور أفهم خلاصة الجرجاني التالية: «أن تقول «المعنى» و«معنى المعنى»، تعني بالمعنى المفهوم الظاهر من اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك إلى معنى آخر.»

16

معنى «أن تعقل» في عبارة الجرجاني «الاستنتاج العقلي»، ويتضح من تحليلاته أنه يستند إلى تصور يبدأ من الكل، ثم يستنتج نوعية العلاقات في ذلك الكل، ويسمي هذا «توخي معاني النحو». وقد قادته طريقته في التحليل إلى أن يصل إلى تصور يمكن صياغته على النحو التالي: يجب أن يحظى الكل بأهمية أكبر من الجزء، وأن يضحى بالأجزاء لتتراجع إلى مكانة ثانوية. بصياغة أخرى: أن يحظى تركيب الكلام بأهمية أكبر من الكلمات التي تكونه؛ لتكون الكلمات في مرتبة ثانوية.

لقد حلل الجرجاني الكثير من التراكيب. سأكتفي هنا بأن أدرج تحليله الآية القرآنية الكريمة

وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين .

17

يقول: «فتجلى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع، أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، وإن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا إلى أن تستقريها إلى آخرها، وأن الفضل تناتج ما بينها وحصل من مجموعها.»

18

تبنى الجرجاني هذه الطريقة؛ أعني توخي معاني النحو وعبر عنه بالنظم، وهي طريقة تتضمن فرضية هي: أن ترى الجزء متناسقا في الكل الذي هو عبارة عن أجزاء متناسقة ومتجانسة.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٤٥