الفرق بين الكلام بعامة والكلام الجميل والكلام المعجز
أعني بالكلام بعامة الكلام الذي يصفه النحو كما هو عند سيبويه، وهو معروف أكثر من الكلام الجميل. أعني بالكلام الجميل الحديث النبوي والشعر العربي في نماذجه العليا، وهذا بدوره معروف أكثر من الكلام المعجز. أعني بالكلام المعجز القرآن، وسوف أستخدم هذه المفاهيم فيما سيلي.
يعرف الكلام بعامة في نمطيته المألوفة في الحياة اليومية، ويكتفى بمعرفته لفائدته العملية. وهي فائدة تكفي البشر لأن يمارسوا حياتهم اليومية. وقد تأسست على هذا الكلام معرفة النحو الوصفية. غير أن الكلام الجميل كالشعر العربي أتاح للنحو العربي مهمة علمية مختلفة؛ لكنها مهمة مرتبطة بمعرفة الكلام بعامة. وعلى حد ما أعلم لم يتساءل أحد قبل عبد القاهر الجرجاني كيف تكون معرفة النحو الوصفية للكلام بعامة قاعدة تحتية لمعرفة الكلام الجميل. سؤال عبد القاهر الجرجاني هو: كيف يمكن أن تنجز هذه المهمة العلمية التي هي من نوع مختلف عن مهمة معرفة الكلام بعامة؟ وفق عبد القاهر الجرجاني تنجز المهمة بأن تتحدد فكرة الكلام الجميل من خلال مستواه اللغوي الذي يأتي فوق المستوى اللغوي للكلام بعامة؛ حيث وظيفة الكلام بعامة هي إنجاز حاجات عملية من غير أي تأويل إلا بما يتعلق بالإنجاز العملي. في مقابل هذا لا يتوقف الكلام الجميل على الإنجاز العملي، إنما يتوقف على الإنجاز الجمالي.
يتكون الكلام بعامة من اللفظ والمعنى، بينما يتكون الكلام الجميل من اللفظ والمعنى والصورة. إن الجهل بالعنصر الثالث؛ أعني الصورة هو عند عبد القاهر الجرجاني سبب الجهل بالكلام الجميل، وقد ترتب على هذا من وجهة نظره الإعلاء من شأن اللفظ. أما العلم بالصورة فهو سبب المعرفة بالكلام الجميل، وقد ترتب على هذا إعلاء شأن اللفظ على أنه الصورة التي تحدث في المعنى، وهو ما يفهم من كلام الجرجاني التالي: «لما جهلوا شأن الصورة، وضعوا لأنفسهم أساسا، وبنوا على قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث، وإنه إذا كان كذلك وجب ... أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وألا يكون لها مرجع إلى المعنى.»
11
يأتي الكلام المعجز فوق الكلام بعامة وفوق الكلام الجميل. لا تعني «فوق» الانفصال عنهما، إنما تعني أنه أعلى في القيمة. يستمد الكلام المعجز من الكلام بعامة والكلام الجميل ما هو ضروري لتحقيق أهدافه. تشترك هذه الأنواع الثلاثة من الكلام في التركيب، لكن تركيب الكلام بعامة يتمايز عن النوعين الآخرين تبعا للموقف التواصلي، والموقف الجمالي. قد يخرج الكلام الجميل إلى التملق والمبالغة والكذب، وإلى ما يعجب ويطرب؛ لذلك يأتي الكلام المعجز فوقه من حيث القيمة فهو لا يتملق، ولا يبالغ ولا يكذب، وهو صادق من الوجهة التاريخية. ليس هذا فحسب، إنما هو الكلام الصادق. لا يريد الكلام المعجز أن يحظى بإعجاب البشر مثلما يسعى الكلام الجميل، إنما يريد أن يخضعهم، ولا يريد أن ينسي البشر واقعهم كما يفعل الكلام الجميل، إنما يريد من البشر أن يلحقوا واقعهم به. من هذا المنظور لا يوصف الكلام المعجز بأنه فن مثلما نقول فن الشعر، إنما هو تعليمات ووعد ووعيد ... إلخ. يهدف الكلام المعجز إلى طاعة قائله المطلقة، يتجلى ذلك في الموقف الذي يمكن أن يكون فيما لو شكك البشر فيه، أو خالفوا تعليماته.
الكلام المعجز كمجال قابل لأن يفهم، والنحو كتركيب نظري لإعجازه
وعى عبد القاهر الجرجاني ما يجعل من الكلام الجميل كلاما معجزا. سأكتفي هنا بتوقفه عند كلمة (قلب) في الآية القرآنية:
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ،
12
أي لمن أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر فيما ينبغي أن ينظر إليه. فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا يتفكر، كأنه قد عدم القلب من حيث عدم الانتفاع به، وفاته الذي هو فائدة القلب والمطلوب منه، كما يجعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ولا يفكر فيما يؤديان إليه، ولا يحصل من رؤية ما يرى وسماع ما يسمع على فائدة، بمنزلة من لا سمع له ولا بصر.