الإمكانية العلمية والوصفية للنظم كتوخ لمعاني النحو
لكي يحل الجرجاني مشاكل النظم بدأ بنقد مفهوم اللفظ كما فهم آنذاك، ونقد القائلين بتفاضل الألفاظ المفردة، وخلص إلى أن «الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها، في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ.»
19
سأشير هنا إلى أهمية أمر عام يورده الجرجاني بالنسبة إلى ما هو أعم منه؛ أعني تفريقه بين «الحروف المنظومة» وبين «الكلم منظومة»؛ ذلك أن نظم الحروف يعني عند الجرجاني مجرد تواليها في النطق، وليس بمقتضى دلالتها على معنى، بينما «كلم منظومة» يعني اقتفاء الألفاظ آثار المعاني وترتيبها على حسب ترتب المعاني في النفس.
لا يوجد دور للمتكلم في «نظم الحروف»؛ لأن هذا الدور أنيط قبلا بواضع اللغة، وبتعبير الجرجاني «ولا الناظم لها (المتكلم) بمقتف في ذلك رسما من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تتحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال «ربض» مكان «ضرب» لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد».
20
وعلى العكس من هذا، فإن المتكلم أنيط به الدور في «كلم منظومة» حيث يبني الكلام بمقتضى العقل، وهو ما يشير إليه الجرجاني بقوله: «مما يوجب اعتبار الأجزاء مع بعضها حتى يكون لوضع كل حيث وضع علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح.»
21
ولكي يرسخ الجرجاني دور المتكلم، يستعير مفاهيم من مجالات الفنون الجمالية العملية كالنسج والصياغة والوشي والتحبير ليرسخ دور المتكلم.
يتقصى الجرجاني عناصر اللفظ - المعنى - الصورة. يجب في المقام الأول ألا يفهم اللفظ على أنه مجرد «نطق اللسان، أو ما يسمعه المتكلم، أو من حيث هو كلمة مجردة». ويجب في المقام الثاني ألا يكون المعنى بتعبير الجرجاني غفلا وساذجا، ثم في المقام الثالث الصورة التي تحدث في المعنى ويشرحها بعبارات «لفظ متمكن غير قلق ولا ناب في موضعه» و«طبقا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص» و«ألفاظه قوالب لمعانيه» أو «لفظ ليس له فضل عن معناه».
22
ترتب على عناصر الجرجاني الثلاثة (اللفظ - المعنى - الصورة) نموذج علمي لنظرية النظم. استخدم النموذج هنا بمعنى الاسم؛ أي من حيث هو يمثل الكلام وعلاقات أجزائه. وبمعنى الفعل من حيث هو يوضح ويشرح ويفسر تركيب الكلام. وبمعنى الصفة؛ أي من حيث أن هذا النموذج لا يمكن أن يبدل شيء فيه، لكي يعمل على أكمل وجه.
23
ولكي يبني الجرجاني هذا النموذج انطلق من الكلام الجميل والكلام المعجز الموجودين من قبل؛ إذ لو لم يكونا موجودين ما أمكن أن يفكر في مثل هذا النموذج الذي سعى إلى أن يكون على أكبر قدر من التماسك. هذا النموذج تقاس فاعليته بمدى قدرته على أن يستوعب الكلام الجميل والمعجز، وقدرته على أن يستمر، وأخيرا قدرته على أن يمثل ما أراد الجرجاني أن ينمذجه. قلب هذا النموذج هو مفهوم الفصاحة في كونها مرتبطة باللفظ المفرد؛ أي إن فصاحة الألفاظ وتفاضلها لم تعد من منظور هذا النموذج مرتبطة بألفة اللفظ واستعماله أو غرابته ووحشيته، أو بخفة حروفه؛ إنما الفصاحة حيث يقع اللفظ في التركيب، والنظر إلى مكانه من التركيب، وحسن ملاءمة معناه لمعاني الألفاظ المجاورة له، وبتعبير الجرجاني: «تناسق دلالة الألفاظ وتلاقي معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل.»
24
هنا يجب أن أنبه إلى أن هذا المعنى الخاص للفصاحة يتعارض مع المعنى التقليدي الذي عرف آنذاك؛ فالنظم من حيث هو توخي معاني النحو يخضع لتوجيه التركيب؛ أعني يخضع لبناء نظري كأن يعمد إلى اسم فيجعل فاعلا أو مفعولا، أو إلى اسمين فيجعل أحدهما خبرا عن الآخر، أو يتبع الاسم فيكون صفة للثاني أو تأكيد له أو بدلا منه، أو أن يؤتى لاسم بعد تمام الكلام صفة أو حالا أو تمييزا. ولا يقتصر هذا المفهوم على الأسماء، إنما أيضا على الأفعال والحروف. أركز هنا على الحروف؛ ذلك أن حرفا لا يعمل لم يكن نحو سيبويه ليتوقف عنده مثلما فعل عبد القاهر الجرجاني في الباب الذي عقده ل إنما.