7
ويمكن أن أشرح تعبيره (يحسن البناء على غير أساس) بصقل النموذج العلمي النحوي، وتشذيبه، وأن أوضح تعبيره الآخر (القتل) بتجاوز النموذج العلمي النحوي؛ ذلك أن القتل مجاز للتجاوز كما لو قلنا قتل الجرجاني سيبويه دراسة وبحثا.
إذا ما أردت أن أوصل هذه التمعنات التي تتعلق بإنجازات علم النحو قبل الجرجاني، فإن الكلام المعجز كالقرآن والكلام الجميل كالشعر لم يسبق أن كانا مجالا لتحليل النحو. والنحاة السابقون الذين يلجئون إلى القرآن، أو إلى الشعر العربي القديم، إنما كانوا يلجئون إليهما ليستشهدوا بهما على أصالة التركيب العربي؛ فحينما يورد سيبويه في الكتاب، أو ابن جني في الخصائص آية قرآنية أو بيتا من الشعر، فإنهما يوردانهما من حيث هما شاهدان على مخطط العرب في كلامها، وليس من جهة جمال الشعر العربي، أو إعجاز القرآن.
لماذا بقي مجال الكلام الجميل والمعجز خفيا على النحو في إنجازاته السابقة؟ لماذا لم يثر إحساس النحويين بجمال الشعر العربي، وإحساسهم بإعجاز القرآن اهتماما نظريا يكون مدخله النحو؟ يتعلق الأمر هنا بوظيفة أيديولوجية؛ فلو اقتصرت هنا على قراءة القرآن بما أنها قراءة تكاد تكون من نشاطات عالم النحو المسلم اليومية، سيكون مفهوما أن علما بالنحو يعني فقط ضبط أواخر كلمات القرآن لكي يفهم المعنى؛ أي إن قراءة النحوي اليومية للقرآن لا تعطي أي فكرة عن عمق القرآن؛ لأنها قراءة إيمان لا تتيح مجالا إلا للأيديولوجيا. تعطي قراءة النحوي القرآن بعين الإيمان بعدا يهتم بالصحة والخطأ، ولا تعطيه بعدا يتعلق بتشكيل نظري لفكرة إعجازه.
لماذا هذا الوقت المتأخر لكي ينتبه عبد القاهر الجرجاني إلى أن النحو يمكن أن يكون مدخلا لفكرة إعجاز القرآن؟ يتعلق الأمر بموضوع، وبميدان معرفة ممكنة كان محجوبا. لقد عبر الجرجاني بفكرة النحو المتعلقة بكلام البشر، إلى فكرة نحو تتعلق بكلام ما فوق البشر. من الإنسان المتكلم إلى الله المتكلم والعبور هنا عقلي؛ فالنحو مدخلا لفهم كلام الله تعليل لجهل البشر وقصورهم، وإبطال لفكرة القائلين بالصرفة؛ فالله لم يمنع الناس من أن يأتوا بمثل كلامه، بل هو عجز البشر أمام مزايا كلام الله وخصائصه. عجز العرب عن محاكاة القرآن نتج عن الدهشة التي أخرست ألسنتهم، وهو ما أفهمه من كلام الجرجاني الآتي: «وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما واتساقا، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم، ولو حك بيافوخه السماء، موضع طمع حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، وخذيت القروم فلم تملك أن تصول.»
8
مثلما تولد عن دهشة اليونان تركيب نظري دعي فيما بعد بالفلسفة، تولد عن دهشة العرب من القرآن تركيب نظري هو نحو عبد القاهر الجرجاني. يتضح معنى الدهشة فيما لو اعتبرناها المصدر العقلي لنظرية النظم؛ فالجرجاني أورد دهشة العرب وأقوالهم وعلق عليها في مناسبتين على الأقل. صحيح أن الجرجاني لم يحدد ما يعنيه بالانبهار والهيبة والروعة، إلا أننا يمكن أن نفهم الدهشة على أنها ردة أفعال العرب تجاه الخارج عن المألوف، وإلى هذه الدهشة تنتمي ردة فعل الوليد بن المغيرة التي أوردها الجرجاني ردود فعل أخرى ذكرها، ونسبها إلى علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والجاحظ؛ حيث ردود الأفعال تجاه الجليل والعظيم والجميل.
التعبير الذي يستخدمه الجرجاني للدهشة هو الإزعاج في قوله: «والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم.»
9
بالفعل كما هو الانزعاج الدهشة انفعال غير مستحب، ومزعج، وتعب للمخيلة، وحيرة، وقلق، وحب اطلاع، واضطراب عنيف، ومرض قاس للنفس.
10
لكن الأهم في هذا الذي يبدو موقفا سلبيا من الدهشة هو إيجابي في دلالته على أن التأمل ينشأ بسبب من الدهشة، وأن التأمل في الجميل والعظيم والجميل والرائع يحدث بدافع داخلي تعبر عن حاجة أصلية وأصيلة للفكر البشري، وأن الحاجة إلى المعرفة حاجة إنسانية أساسية، وأن الإنسان يريد أن يفهم بحافز ذهني محض كما فعل الجرجاني حين جعل من النحو كاشفا عن الكلام الجميل والمعجز.