تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

توجد هذه الفكرة الكبرى بشكل ضمني، لكنها ليست فكرة مكتملة؛ فلم يكن من الممكن تأسيس هذه الفكرة وإظهارها مكتملة في كتاب مرتبك كدلائل الإعجاز، وهو ما لاحظه محقق الكتاب بحق، وأشار إلى فكرة تهم موضوعي هنا؛ وهي أن عبد القاهر لم يبن كتابه هذا بناء يؤسس علما جديدا مثلما فعل سيبويه في الكتاب، وابن جني في الخصائص اللذين شكلا مضمون الفصلين السابقين من هذه التأملات الاستقصائية لتطور مفهوم النحو العربي من جهة تطور مفهومه. لقد أراد الجرجاني أن يكون النحو علما شاملا لوصف الكلام وتأويله وتذوقه، وأراد من كتابه دلائل الإعجاز أن يكون دليلا للإعجاز يستند إلى النحو أداة لتذوق الكلام الجميل والمعجز.

مشكلة العلوم التي ساهمت في معنى أسئلة الجرجاني

نقد عبد القاهر الجرجاني علمي البيان وعلم النحو في عصره، واستند في نقده إلى أن هذين العلمين تحولا إلى مشكلة؛ لأنهما لم يعودا علمين ينتميان إلى العقل؛ فعلم البيان من حيث كونه علما يقوم على المفاهيم البلاغية لم يعد من وجهة نظر الجرجاني سوى خبر واستخبار، وأمر ونهي.

3

هذا من ناحية العلم، أما من ناحية عالم البيان فلم يعد سوى مجموعة صفات كأن يكون جهير الصوت، جاري اللسان. أما من حيث الأسلوب والطريقة، فلم يعد علم البيان سوى استعمال اللفظ الغريب، والكلمة الوحشية. والمأخذ الذي يأخذه عبد القاهر الجرجاني على علم البيان، ويأخذه على العالم الذي يشتغل على البيان هو أن علم البيان والعالم به أصبحا جهلا؛ «لأن هناك دقائق وأسرارا طريق العلم بها الروية والفكر، ولطائف مستقاها من العقل.»

4

يفترض نقد الجرجاني علم البيان وعلماءه وأسلوبه عالما يوجد فيه الناس بكيفية واعية؛ فهناك إنجازات علمية سابقة من المفترض أن تندمج في أفق الزمان ومرحلته الزمنية، وأن تستعاد وتنقل من جديد. كان على جيل علماء البيان آنذاك أن يفهموا ويستوعبوا إنجازات علم البيان السابقة، لكنهم نسوا تلك الانجازات أو صرفوها عن جهتها. وفي النتيجة وبالتعالق مع ذلك الزمان الذي هجاه الجرجاني هجاء مرا من جهة إحالته الأمور عن جهاتها، وتحويل الأشياء عن حالاتها «صار أعجز الناس رأيا عند الجميع، من كانت له همة في أن يستفيد علما أو يزداد فهما».

5

وقد جاء الوقت ليعيد عبد القاهر الجرجاني إلى علم البيان مشروعيته. وفي هذا الإطار أفهم فاتحة دلائل الإعجاز التي خصصها لمكانة العلم.

المجال القابل للكشف كمجال من مجالات النحو

ما تعرض له علم البيان تعرض له علم النحو؛ حتى إن الناس بما فيهم علماء النحو أنفسهم تهاونوا به، وصغروا أمره، وقد اعتبر الجرجاني هذا صدا عن كتاب الله، وعن معرفة معانيه. تكمن قيمة النحو عند الجرجاني في أنه يفتح المعاني، ويعرف به جميل الكلام من قبحه، ويرجع إليه في معرفة تركيب الكلام الجميل والكلام المعجز، وما لم يعلم هذا فهو نقص في علم النحو، وغبن لعلمائه؛ ذلك أن النحو ليس معرفة زائدة ومتكلفة، أو اشتغالا بالفكر فيما لا يفيد.

6

لكن ماذا لو كان النحو كذلك؟ يعترف عبد القاهر الجرجاني بأن ذلك قد يكون، لا سيما في التمرينات التي يضعها النحويون في بعض مسائل النحو والصرف كالتصريف، والتدريب على القياس، وذكر العلل في أبواب النحو. ومن هذه الجهة قد يعذر العلماء في قولهم إن النحو معرفة متكلفة، واشتغال في الفكر بما لا يفيد، لكن النحو أكثر من ذلك، وقد حرموا من أن يفهموه. غير أن ما لا يعذر فيه علماء النحو، وما لا يرضاه العقل عند عبد القاهر الجرجاني هو ألا يحتاج الكلام الجميل كالشعر والكلام المعجز كالقرآن النحو مفتاحا لفهمهما وتحليلهما وتذوقهما.

إن ما أغاظ الجرجاني وهو العالم في النحو أن علماء النحو في زمانه الرديء، كما وصفه، يكثرون من غير أن يحصلوا. وفي إشارة إلى الأهمية الكبرى لإنجازات النحو السابقة التي يجهلها علماء النحو في عصره يقول: «يحسن (عالم النحو) البناء على غير أساس، وأن يقول الشيء لم يقتله علما.»

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٤٢