تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

يقصد بقوله لفظي ومعنوي المفاهيم التي استخلصها النحاة وهم يتأملون الكلام، وهذا ما أفهمه أيضا من قوله: «وإنما قال النحويون: عامل لفظي، وعامل معنوي؛ ليروك أن بعض العمل يأتي مسببا عن لفظ يصحبه.»

13

يشير ابن جني هنا إلى المهمة الوصفية التي حفزت في الأصل مهمة النحو الخالص عند سيبويه، وقد أصبح هذا النحو الخالص وسيلة يصف بها النحاة تعدد الإمكانات المتاحة أمام المتكلم، وموجها للنحو في تصور وإنجاز مهمة المتكلم التي تكمن في أن يفهم المخاطب المعنى الذي يقصد.

كان هذا كله موجودا ومعروفا عند ابن جني من نحو سيبويه، ولم يكن ابن جني في حاجة إلى أن يعود من جديد ليعالج الكيفية التي ينجز بها المتكلم الكلام؛ لأن سيبويه كان قد استنفدها، لا يليق بابن جني الذي درس النحو، وخبره وعرفه وعرف معه المفاهيم والقضايا النحوية وتآلف معها أن يكرر ما فعله سيبويه. لقد قاد تمرس ابن جني وخبره بالنحو الخالص إلى التفكير النحوي في فكرة العلل التي نشأت لأول مرة؛ أعني قوله: «ذلك أنا لم نر أحدا من علماء البلدين (البصرة والكوفة) تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه.»

14

انطلاقا من فهم ابن جني لفكرة النحو الخالص أراد أن يعلله؛ لكي يجعله مقنعا لمن يريد أن يدرسه؛ أي إن ابن جني أراد أن يبرهن على أن التغييرات التي يجريها المتكلم على الكلام لا يجريها اعتباطا؛ إنما هي تغييرات معللة. هذه العملية احتاجت من ابن جني أن يسأل «لماذا؟» ليكتشف انتظام الكلام على العلة بالترابط بين الكلمات التي توجد مع بعضها في الجملة، وبتعبير ابن جني «بعض العمل يأتي مسببا عن لفظ يصحبه». وقد مكن هذا الأسلوب المعتمد على التعليل ابن جني من أن يضع في الكلام افتراضات واستقراءات وتنبؤات. لقد ظهرت علل النحو عند ابن جني بديلا لحجة النحوي الضعيفة، وليس بلا دلالة أن ينسب هذان البيتان إلى ابن فارس المعاصر لابن جني.

15

مرت بنا هيفاء مجدولة

تركية تنمي لتركي

ترنو بطرف فاتر فاتن

أضعف من حجة نحوي

يكمن الفرق بين علل النحو وحجة النحوي في الفرق بين ما ينتمي إلى العلم وما يخرج عن العلم. فاستشهاد النحوي بآية من القرآن أو ببيت من الشعر القديم لبيان مخططات العرب في تأليف كلامهم هو حجة، بينما تقتضي علل النحو القدرة المعرفية؛ أعني معرفة النحو لا معرفة النحوي. تشير حجة النحوي إلى أن النحوي يجب أن يخضع لكلام العرب، بينما تشير علل النحو إلى أن كلام العرب ينتظم وفقا لمعرفة النحو. أما الفرق الأهم فهو أن علل النحو تعني التلاؤم مع تصور ما. والتلاؤم عنصر عقلاني ذو دلالة مهمة جدا ضمن تصور ابن جني للتعليل. وهذا ما نفهمه من تمييز ابن جني بين علل الفقه وعلل النحو، وكون علل الفقه أدنى رتبة من علل النحو. ويشرح هذا مستعينا بالتاريخ الثقافي والاجتماعي فالجاهليون يحصنون فروج مفارشهم، ويجيرون الجار ويحفظونه؛ أي إن الشريعة جاءت بما هو معلوم ومعمول به عند العرب، ولو لم تصادق الشريعة على تلك الممارسات الحياتية لما أخل بحال تلك الممارسات ولاستمرت كذلك. ثم إننا لا نعرف علة عدد ركعات الصلاة، ولا ترتيب الأذان، ولا ترتيب مناسك الحج. والخلاصة هي «جميع علل النحو إذن مواطئة للطباع، وعلل الفقه لا ينقاد جميعها هذا الانقياد.»

16

لقد فتح النحو الخالص الطريق أمام علل النحو بتركيزه على أن ما في حوزة العقل الإنساني، ويسعى إلى تحقيقه هو نسق المعرفة. وإذا ما وضعنا في الاعتبار ارتباط النحو الخالص بالقياس؛ فإن النحوي بفضل هاتين الإمكانيتين (التعليل والقياس) يمكن أن يبدأ من كلام لكي يقيس عليه كلاما آخر. ومن هذا المنظور يصبح التعليل والقياس منهجين عامين لمعرفة الكلام معرفة علمية. وفي هذا الإطار أفهم قول ابن جني: «واعلم أن العرب تؤثر من التجانس والتشابه وحمل الفرع على الأصل، ما إذا تأملته عرفت منه قوة عنايتها بهذا الشأن، وأنه منها على أقوى بال.»

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٣٦