تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

ما الذي يضمن دقة التعليل والقياس عند ابن جني؟ الصورة الشاملة والواحدة لكلام العرب، فلا يوجد كلامان؛ هناك كلام واحد، وبمقتضى بنية كلام العرب القبلية يتكلم العرب، وكلامهم امتداد لفكرة كلام كلي. كلام العرب الكلي له صورة كلية تشتمل على كل صور الكلام، وهو ما يمكن أن يسيطر على الكلام عن طريق التعليل بالكيفية التي حللتها.

دافع تصور فكرة نحو ابن جني

ما الذي كان ممكنا في النحو قبل قرن ابن جني (القرن الرابع الهجري) ليغذي فكرته الجديدة عن النحو، حتى ولو عند مستوى محدود؟ تأثر ابن جني بسيبويه، لكنه تأثر مصحوب بمقاصد نقدية كما أفهمه من الأبواب التي عقدها في بداية كتاب الخصائص. يتعلق الأمر بالفصل بين الكلام وبين القول، وبالقول في النحو، وبالقول في الإعراب والبناء، وبأصل اللغة، وهي أبواب ذات صلة قليلة مع كتاب سيبوبه الذي لم يعرف اللغة ولم يتوقف عند أصلها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ثمة تأثير ابن السراج الذي سبق أن أثار فكرة أصول النحو وعلله، وهي فكرة عرفها ابن جني في قوله: «فأما كتاب أصول أبي بكر فلم يلملم فيه بما نحن عليه إلا حرفا أو حرفين في أوله، وقد تعلق عليه به. وسنقول في معناه.»

18

الكلمة الأهم في عبارة ابن جني هي (يلملم) فاللملمة في المعجم العربي تشير إلى الإحكام

19

الذي يعبر عنه العرب أحيانا بالاستدارة، كقول العرب لملم الحجر؛ أي جعله مستديرا، وإلى التنسيق كقولهم شعر ململم؛ أي مدهون ومنسق، وإلى التماسك كقولهم رجل ململم. ومن منظور هذه المعاني يمكنني أن أفهم عبارة «لم يلملم فيه» أن أثر ابن السراج في ابن جني ليس حاسما؛ لأنه لم يبن نظرية متماسكة.

يختلف الأمر مع مقاييس الأخفش الأوسط؛ لأن طابع أصول النحو عند الأخفش ارتبط بالقياس. وقد احتفى ابن جني بمعرفة الأخفش احتفاء قل نظيره إلى حد أن جعل كتابه الخصائص نيابة عن كتيب الأخفش، وجهده بديلا عن جهد الأخفش؛ احتراما ومكافأة له على الطريق الذي فتحه للمعرفة النحوية. يقول ابن جني: «على أن أبا الحسن كان قد صنف في شيء من القياس كتيبا، إذا أنت قرنته بكتابنا هذا علمت بذاك أننا نبنا عنه فيه، وكفيناه كلفة التعب به، وكافأناه على لطيف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا، المفيضة بماء البشر والبشاشة علينا.»

20

ما الذي حفز ابن جني على أن يقتنع بمقاييس الأخفش؟ جرأة الأخفش في القياس التي يفصح عنها في الباب الذي عقده للقياس على ما يقل، ورفض ما هو أكثر من ذلك. في هذا الباب وجدت جرأة الأخفش في قياس ذلك قبولا وإعجابا من ابن جني إلى حد أنه قال عن الأخفش: «وما ألطف هذا القول من أبي الحسن!»

21

هذا التعجب ورد سياق تحليل ابن جني فكرة أن يقل الشيء وهو قياس، ويكون غيره أكثر منه إلا أنه ليس بقياس.

لكي يصل ابن جني إلى فكرة قياس شامل لكلام العرب فضل أن يبحث في كلام مستعمل بكثرة وفي الوقت ذاته قياسه قوي؛ أعني ما يتحدث عنه في قوله: «وإذا فشا الشيء في الاستعمال وقوي في القياس؛ فذلك ما لا غاية وراءه.»

22

يعرف ابن جني أن تعارضا قد يحدث بين السماع وبين القياس، وقد عقد بابا لذلك.

23

وقدم اقتراحات مفيدة لحل التعارض لصالح الاستعمال.

24

فإذا شذ الشيء في الاستعمال، وقوي في القياس؛ فإن استعمال ما كثر أولى، وإن لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله. وإذا أدى القياس بالمتكلم إلى شيء ما، ثم سمع العرب تنطق بشيء آخر على قياس غيره، فيجب أن يدع المتكلم ما كان عليه إلى ما هم عليه. أما إذا سمع المتكلم من عرب آخرين مثلما أجازه في القياس فهو مخير يستعمل أيهما شاء. قد يبدو هذا تنازلا من ابن جني، وثغرة في شمول القياس من حيث هو أداة شاملة، لكن لو تذكرنا أن النحو الخالص معرفة علمية بتعدد الإمكانات، ولا نهائية الاختيارات عند المتكلم؛ فإن تنازل ابن جني دعم لفكرة النحو الخالص. وهو ما أفهمه من خلاصة ابن جني التي أنهى بها الباب الذي عقده في تخصيص العلل.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٣٧