7
أي إن النحو يصبح بالنسبة للكلام قوانين مستخدمة ينتج عنها علامات إعراب يخضع لها المتكلمون؛ لا من حيث إنتاج الدلالة والمعنى كما في نحو سيبويه، إنما من حيث صواب الكلام وخطؤه.
يمكنني أن أعيد بناء مسار التفكير الذي أوصل إلى فكرة ابن جني عن النحو؛ فقد هيئ الإنسان على نحو يجعله يتعلم اللغة بسهولة ما لم يكن هناك عائق. ولا يثير تعلم الإنسان اللغة أي إشكال. حين يتكلم الفرد في حياته اليومية، فهو يتكلم من غير أن يفكر في قوانين الصواب والخطأ. إنما يتكلم باعتباره ذاتا تعبر عن حياتها الداخلية، ولكي يلبي حاجاته اليومية؛ لذلك فإن مركز الثقل ليس في أن يطابق كلامه صيغ الكلام الصائبة، إنما أن يفهم المخاطب المعنى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتحتم على الفرد، أن يأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر المخاطب الذي يتكلم معه؛ لأن المخاطب هو الذي سيفهم كلام المتكلم. ولا علاقة هنا لقانون الصواب والخطأ؛ فصحة كلام الفرد لا تهم بقدر ما تهم قيمة الحقيقة فيه أو الكذب، أو طابع الكلام الشعري أو المبتذل
8 ... إلخ.
حين يتكلم الفرد في الحياة اليومية؛ فكلامه لا ينفصل عن محتواه الأيديولوجي أو عن حياته اليومية. ما ينطقه في الحياة اليومية ويسمعه الآخرون ليس الكلمات، إنما الحقائق أو الأكاذيب، الأشياء الحسنة أو القبيحة، المهمة أو المبتذلة، المفرحة أو المحزنة ... إلخ. فالكلام محمل دائما بمضمون أيديولوجي أو وقائعي. وعلى هذه الشاكلة يفهم الناس الكلام، ولا يستجيبون إلا للكلام الذي يوقظ فيهم أصداء أيديولوجية، أو له علاقة بحياتهم اليومية.
9
عندما يهتم أحد بكلامنا وينشغل به، ويتأمله، ويصفه ويصححه أو يخطئه يركب كلاما جديدا انطلاقا من هذه العلميات؛ وهنا يظهر عالم النحو وعلم النحو. في مقابل كلام الفرد الذي ينشأ ضمن سياق محدد هو سياق الحياة نشأ الآن تفكير خالص في كلام الفرد وبكلام الفرد بما ليس من كلام الفرد. ومن هذا المنظور نشأت كلمات مميزة (مفاهيم) ومحددة ومنضبطة كالفعل والفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر ... إلخ. وإبداع النحو العربي يكمن في أنه استعمل كلام العرب، وأنتج منه مفاهيم بكيفية نظرية، وفرضيات ومنهج مصطنع.
10
يتعلق الأمر بأخذ عدد معين من الأمثلة تملك سمات مشتركة، وجمعها، واستخلاص الفروق بينها، والاحتفاظ بما يتشابه منها. بهذه الطريقة تتشكل فكرة عامة عن فئة من الأمثلة فتتشكل المفاهيم كالفعل والفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر ... إلخ. وهكذا فالمفاهيم النحوية أفكار تمثل «كلية الخواص الجوهرية؛ أي جوهر الأمثلة التي اهتم بها النحوي».
11
التركيب النظري للنحو تحول من الاهتمام العملي كالتعبير وتلبية الحاجات الإنسانية إلى اهتمام نظري لا يهتم بالحكم على صواب الكلام أو خطئه.
بالعودة إلى موضوعنا؛ فحين يتحدث ابن جني عن النحو بوصفه أداة يلحق بها من ليس من أهل العربية بأهلها من الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، ويرد بها الشاذ منهم إليها؛ فهو يتحدث عن مهارات اللغة العربية التي يصعب على الفرد أن يتعلمها من محيطه المباشر، كما يشير إلى أن وصف نظام اللغة ليس كل النحو، وأن فكرة الخطأ والصواب تحتفظ بدورها من حيث هي فكرة مكملة لوصف نظام اللغة، وأن المعيار يحتفظ بمكانته في تعليم اللغة، وبدونه لن يصبح النحو قادرا على أن يكون في جانب منه علما تطبيقيا يمكن تعليمه والتدريب عليه.
الفكرة الأساس للنحو المستند إلى القياس
لا يمكننا أن نتصور علما يجمد كما هو حين نشأ؛ وقد ظهر التركيب النظري للنحو لأن علم النحو واصل تطوره. وجه هذا النحو الخالص تفكير ابن جني النحوي؛ أعني النحو الذي يصف الإمكانات المتاحة للمتكلم، وهو ما أفهمه من قوله: «أما في الحقيقة وحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم، إنما هو للمتكلم نفسه، لا شيء غيره، وإنما قالوا لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ.»