تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الرابع

| النحو مجردا مما هو ثقافي

يرى ابن جني أن النحاة القدماء خبروا شخصيا الكلام في الحياة اليومية، ودلل على ذلك بقوله: «ليس المخبر كالمعاين.»

1

وفي صفحة أخرى يقول: «يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذا أخبر به عنه، ولم يحضره إنشاده.»

2

يتحرز ابن جني بهاتين العبارتين من اللغة المكتوبة التي لا تساعد على اكتشاف خصائص اللغة الحية؛ لأن اللغة المكتوبة «خارجة عن ظروف الحياة الواقعية؛ وهي كذلك لا يمكن أن تعطي صورة صحيحة لحالة لغوية؛ لأنها بحكم الضرورة، وبفضل امتيازها، تعيش الماضي والحاضر والمستقبل جميعا، ولأن الكاتب الواحد في صفحة واحدة يمكن أن يكون سابقا لتطور اللغة المتكلمة ومتخلفا عنه.»

3

الصورة التي يوضح بها ابن جني اللغة المكتوبة ينقلها عن أحد شيوخه حينما قال: «أنا لا أحسن أن أكلم إنسانا في الظلمة.»

4

وبالرغم من أن ابن جني يورد عبارة شيخه في سياق أهمية مشاهدة وجه المتكلم، وكيف يمكن أن تكون مشاهدة وجهه دليلا على ما في نفسه، فإننا يمكن أن نستخدمها صورة للكلام الذي يجرد الكلام من كل ما هو شخصي وثقافي، ومن الخصائص الثقافية لحياة الناس اليومية، وهي صورة تمثل ما فعله في كتاب الخصائص؛ حيث جرد ابن جني الكلام من كل ما هو شخصي وثقافي وحياتي. والأمثلة التي يختارها تفي بالغرض من ناحية النحو العلل والقياس، لكنها غالبا معزولة عن حياة الناس حتى إنها ترد عنده بدون سياق لغوي.

كلام العرب كما حلله ابن جني في كتاب الخصائص أكثر مما يعرف به كتاب الخصائص، وهو أكثر من مجموع الصفات التي أطلقها عليه. لا سبيل فيه إلى وصف الكلام الخاص والحميمي في تجربة الحياة اليومية، إذ يحيي الإنسان الكلام وينعشه بما يتجاوز القياس والعلل. والسبيل الوحيد أمام الإنسان لأن يجرب الكلام هو أن يتكلم، حينئذ يوقظ حريته وتواصله مع الناس، أن يشعر في حياته اليومية أن هناك إنسانا يتكلم معه وعنه في موقف حياتي حميم. يمكن لابن جني أن يقترب من اللغة المتكلمة وأن يقاربها، يمكنه أن يحاكيها، لكن المحاكاة تظل تحويلا وتحريفا.

5

وقارئ كتاب الخصائص لن يستغرق وقتا حتى يلاحظ الكلمات المبهمة، والتي في طريقها إلى أن تتلاشى، والتي ماتت، والتي صنعها ولا يتكلم بها أحد. كل هذا بسبب اعتماده على اللغة المكتوبة التي لا تعطي صورة أمينة عن اللغة كما يتكلمها الناس في حياتهم اليومية .

لكن ألا يعد ما قام به ابن جني في كتابه الخصائص تقدما كبيرا لعلم النحو العربي؟ بلى. ذلك أن التزام ابن جني الجديد بتجريد النحو من كل ما هو ثقافي أثبت في جانب آخر أنه تجريد مثمر وخصب؛ حيث وجه أنظار النحويين من بعده إلى مسائل نحوية تمثل موضوعات جديدة؛ حين أصبح مفهوما الاستقراء والقياس أشبه بالشرط في دراسات النحاة التاليين لابن جني.

تجديد النحو بما هو أصل فكرة قوانين الصواب والخطأ

ينطلق نحو سيبويه من مفاهيم وقضايا نحوية تسمح للمتكلم بأن يركب أي شكل للمعنى الذي تصوره قبليا؛ أي «قوانين النحو في سيرورتها وتعدد إمكاناتها ولا نهائية الاختيارات المتاحة عند المتكلم».

6

أما فكرة نحو ابن جني، فهي الفكرة النحوية التي تقوم على قوانين الصواب والخطأ. أين الجدة ونحو الدؤلي يستند هو أيضا إلى قوانين الصواب والخطأ؟ تاريخ أي علم لا يكرر الأفكار ذاتها، وإن حدث وتكررت فإن الفرق بينها يحول دون تطابقها؛ كالتاريخ الذي لا يتكرر. وإذا ما حدث وتكرر فإن الفرق بين تاريخين يحول دون أي تعميم بالتطابق بينهما. والفرق بين فكرتي الدؤلي وابن جني هو الفرق بين فكرة تنشأ ولا تعرف أي جهة تسلكها كما هي فكرة الدؤلي، وبين فكرة يراد لها أن تسلك جهة محددة كما هي فكرة ابن جني.

يقوم نحو سيبويه على تشارك الوصفي والمعياري، وهذا ما هيأ جزءا من نحو سيبويه لكي يطبق على أواخر كلمات اللغة. أما النحو المستند إلى قوانين الصواب والخطأ فقد نشأ تحت توجيه فكرة النحو الجديدة؛ أعني قول ابن جني في جزء من تعريفه النحو «ليلحق من ليس من أهل العربية بأهلها من الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، وإن شذ بعضهم رد به إليها»؛

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٣٤