لا أعني بالمبادئ سلسلة مرتبطة من المفاهيم العلمية التي تصف ظاهرة أو حدثا كما عرفها العلم الحديث؛ إنما أعني ظهور مفاهيم جديدة للمساءلة في النحو والصرف كالحذف والتعويض والاستغناء.
53
وهي مفاهيم تعبر بوضوح عن إشكاليات فعلية في اللغة، ك «لماذا قالوا يدع ولم يقولوا ودع؟ لماذا قالوا زنادقة ولم يقولوا زناديق؟» هناك أسئلة أخرى سعى سيبويه إلى الإجابة عنها. ولكي يجيب عنها فكر على مستويين: مستوى ما يسمع، ومستوى ما لم ينطق. وقد أتاح له هذا شكلا من التعقل أخذ شكلا كافيا من الوضوح مما أدى إلى نتائج جديدة في البحث النحوي.
لم يكن سيبويه ليستطيع أن يتابع مشروعه؛ أعني إنشاء تفكير نحوي جديد إلا بعد أن يفطن إلى العلاقة بين اللفظ والمعنى. والفصل الذي افترضه الجابري لم يكن مفكرا فيه آنذاك. وما فعله سيبويه هو تطوير فكرة التقصي عن العرب. وهو يبدأ البابين ب «اعلم أن من كلامهم» و«اعلم أنهم مما (ربما) يحذفون» وهو مما أدى إلى أفضل النتائج؛ أعني التقصي الذي رسم إلى حد ما الحدود للألفاظ والمعاني؛ فاللفظان قد يختلفان لاختلاف المعنى، وقد يختلفان والمعنى واحد، وقد يتفقان ويختلفان في المعنى وإن كان الواقع اللغوي قد يستعصي على هذا التحديد الدقيق.
مفاهيم الكتاب الذهنية
يهدف سيبويه من أمثلته على اختلاف الألفاظ لاختلاف المعنى «جلس وذهب»، واختلافهما والمعنى واحد «ذهب وانطلق»، واتفاقهما واختلافهما في المعنى «وجدت عليه، ووجدت» إلى استكشاف معنى ما ينطق به. ما الذي دفع سيبويه إلى هذه التفصيلات؟ الفضول العلمي هو ما دفعه إلى البحث في الفروق الدقيقة بين الألفاظ؛ فالناس يتكلمون في تجربتهم اليومية بكيفية عائمة وفضفاضة، وحين يتحدثون لا يتوخون الدقة في دلالة اللفظ على المعنى أو «مطابقته». هناك نمطية عامة في التحدث مشروطة بألا تعرقل التواصل في الحياة اليومية، وتبادل التجارب مع أناس يشبهوننا.
بسبب الفضول العلمي المتعلق باللفظ والمعنى سلكت المساءلة الذهنية في كتاب سيبويه دربا جديدا أفضى إلى مفاهيم تشير إلى ما يختفي خلف الظاهر المنطوق به، وهو ما يفهم من حذف العرب بعضا من كلامهم. ثم شمل هذا الفضول المعرفي استكشاف مجمل الظاهرة اللغوية. ومن هذا المنظور فالحذف هو ما قاد إلى مفهوم الإضمار، ومن ثم قاد هذا إلى مفهوم العامل، وليس العكس.
54
فالحذف أقل تجريدا من الإضمار والعامل، مما يعني أن الأكثر تجريدا يتلو الأقل تجريدا. التفكير في الحذف ثم في الإضمار ثم في العامل هو عمليات النحو العلمية التي توقفت عند العامل بوصفه تصورا ذهنيا تأويليا، وأداة تحليلية لعلم النحو.
55
ما كان لسيبويه أن يعقد باب «مجاري الكلم العربية» بدون مفهوم العامل، وما كان له أن يكون عقلانيا وعلميا معا ليتوقف عند قضايا تتعلق بأساليب النداء والقسم والاختصاص ... إلخ من دون افتراض الحذف أو الإضمار. تكمن وظيفة مفاهيم الحذف والإضمار والعامل في أنها تجعل من إحدى وظائف اللغة «التبليغ» افتراضية. وبفضل هذا الافتراض يصبح معنى الكلام موضوع النحو. قد كان سيبويه واعيا بذلك حين يقول: «وهذا تمثيل ولا يتكلم به.»
56
يعلق أبو زيد على أن هذه العبارة دليل «على وعي سيبويه بالفارق بين «العبارة الأصلية» موضوع التحليل وبين «العبارة الشارحة». ومعنى قول سيبويه إن «العبارة الشارحة» «تمثيل ولا يتكلم به» هو أن تقدير المحذوف مسألة افتراضية. وإذا كان المحذوف هو العامل؛ فذلك يؤكد ما ذهبنا إليه من أن «العامل» مجرد تصور ذهني تأويلي، أو هو أداة تحليلية لبناء العلم.»
57
المنزلة المعرفية للغة الكلام مقابل لغة الشعر
أنهى سيبويه رسالة الكتاب بمجموعة من الملاحظات، وأدرجها تحت عنوان عام هو «باب ما يحتمل الشعر». يقول: «اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف ... وحذف ما لا يحذف ... وربما مدوا مثل مساجد ومنابر ... وقد يبلغون بالمعتل الأصل، فيقولون رادد في راد، وضننوا في ضنوا، ومررتم بجواري قبل ... ومن العرب من يثقل الكلمة إذا وقف عليها، ولا يثقلها في الوصل، فإذا كان في الشعر فهم يجرونه في الوصل على حاله في الوقف نحو: سبسبا وكلكلا ... ويحتملون قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه ... وجعلوا ما لا يجري في الكلام إلا ظرفا بمنزلة غيره من الأسماء.» لقد أطلت الاستشهاد لكي أحدد قيمة ما أورده سيبويه فيما يتعلق بالمنزلة المعرفية للغة الكلام في مقابل لغة الشعر، ولكي أدعم تصور لغة الشعر على طريقة الخليل بن أحمد (الشعراء أمراء الكلام) الذي قد يرى البعض أن سيبويه أورده متأثرا بالخليل؛ فالنصان فيما أذهب إليه لا يتماثلان، ولا يتحملان المعنى ذاته من جهة الغاية؛ ذلك أن الغاية عند الخليل بن أحمد غاية عروضية تتعلق بالوزن؛ فالفرزدق - مثلا - مد الصيارف في بيته الشهير «تنقاد الصياريف» من أجل أن يستقيم الوزن. أما الغاية عند سيبويه فهي غاية نحوية؛ أي لا يجب أن تخضع لقواعد النحو من حيث الصحة والخطأ، ذلك أن الشاعر اضطر إلى ذلك اضطرارا لكي يكون له لغته الخاصة، وهو ما يفهم من قوله: «وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها.» ويمكن أن نفهم هذا القول في إطار أن اللغة منظومة اجتماعية، فهي تقتضي دائما بأن يضحي الفرد بلغته الخاصة من أجل لغة الناس جميعا، وما يحدث للغة الشعر هو أن الشاعر يضحي بلغة الناس من أجل لغته الخاصة.