تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

47

مفاهيم المساءلة الجديدة في الكتاب

حسب التقليد العلمي الذي وصلنا؛ فإن قضية اللفظ والمعنى تنتمي إلى البلاغة، لكن محمد عابد الجابري يذهب إلى أكثر من ذلك؛ فقد «هيمنت «قضية اللفظ والمعنى» على تفكير اللغويين والنحاة وشغلت الفقهاء والمتكلمين واستأثرت باهتمام البلاغيين والمشتغلين بالنقد، نقد الشعر ونقد النثر، دع عنك المفسرين والشراح الذين تشكل العلاقة بين اللفظ والمعنى موضوع اهتمامهم العلني الصريح.»

48

ثم يرتب على هذا أن سيبويه لم يكن «الوحيد الذي اتجه بالدرس النحوي العربي هذا الاتجاه الذي يتداخل فيه المنطق واللغة، بل إن عمله إنما كان جمعا وتنظيما للمناقشات النحوية اللغوية البلاغية المنطقية التي انشغل بها جيله والجيل السابق له.»

49

غير أن فرضية الجابري الأساسية؛ أعني النظرة إلى اللفظ والمعنى من حيث هما منفصلان لا تفسر ما تخيله وسماه النظام المعرفي البياني. وليس كافيا أن يقول: إن جمع اللغة وتدوينها وتأليف المعاجم اللغوية نتج عن تصور اللغويين الفصل بين اللفظ والمعنى؛ فالأمر الأهم يؤول إلى التصورات الشخصية المتعلقة بمعتقدات اللغويين اللغوية وتصوراتهم عن طبيعة اللغة ووظائفها.

لقد استند جمع اللغة وتدوينها إلى تصورات شخصية لجامعي اللغة عن طبيعة اللغة ووظيفتها وعلاقتها بالفكر، وعن طبيعة المنهج وعلاقته بما يدونونه أو يتجاهلونه. وقد كان لهذه التصورات أسباب تاريخية وثقافية. وإذا كانت هذه العوامل التاريخية والثقافية قد ولدت تصورات المعجميين اللغوية، وأن هذه التصورات نجم عنها معاجم لغوية فصلت اللغة عن أفقها الاجتماعي، وأن هذا الفصل ولد مشكل الكلمة في علاقتها بالأشكال المحسوسة للتواصل الاجتماعي بين الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية. إذا كان كذلك فإن الأسئلة التي تنتظر الباحثين هي: ما الأصول التاريخية لهذا المشكل؟ ما الشروط الاجتماعية لبقائه؟ وما الأسس الثقافية لهذا كله؟ وهو ما لا تجيب عنه فرضية الجابري المتعلقة بفصل اللغويين بين اللفظ وبين المعنى.

نشأت معتقدات اللغويين والمعجميين المتعلقة بطبيعة اللغة العربية من جو المرحلة الفكري الرافض لأي تجديد لغوي؛ لأنه يتعارض مع ثبات اللغة العربية وأزليتها. ومن زاوية ثبات اللغة وأزليتها من الطبيعي أن يتجاهل اللغويون وجود الكلمة المجتمعي الجديد، وتسرب الكلمات الجديدة إلى العلاقات التي تربط بين الأفراد، ولحمة الكلمات لمجال العلاقات الاجتماعية، وسجل الكلمات الذي تتواصل به شرائح المجتمع. لهذا كله لا أوافق على الفصل الذي افترضه الجابري بين اللفظ والمعنى وأدى إلى ما اعتقده في كتاب سيبويه، فالجابري يرى أننا لسنا «بإزاء تقرير قواعد نحوية تضبط كيفية النطق والكتابة».

50

إنما بإزاء «جهات - أو موجهات - مركبة من جهات عقلية منطقية تخص المعنى وجهات لغوية تخص تركيب الكلام».

51

ما أغفله الجابري هو أن قضية اللفظ والمعنى تتعلق بتفسير نصوص مؤسسة للمجتمع الإسلامي. ومن هذه الزاوية لا تمثل علاقة اللفظ بالمعنى قضية طارئة من خارج الثقافة العربية الإسلامية. بل إنني أذهب إلى أن قضية اللفظ والمعنى قضية أساسية داخل الثقافة العربية الإسلامية؛ لكنها حتما لم تأخذ التوجه النحوي الذي توصل إليه الجابري حين قابل بين مشتقات النحاة وبين مقولات أرسطو.

52

يختصر سيبويه في بابين من كتابه علاقة اللفظ بالمعاني، وما يكون في اللفظ من الأعراض. وقد أتاح هذان البابان تقدما يسيرا على مستوى المعرفة النحوية في عصره، من حيث إنه أعطى بهما الفرصة للنحو ليشتغل في مجال لم يكن الآخرون قادرين على وطئه، وفتح بهما ميادين البحث النحوي التي ستظهر ناضجة فيما بعد عند نحويين هما ابن جني وعبد القاهر الجرجاني؛ ففكرة أن العرب يحذفون ويعوضون، ويستغنون بالشيء عن الشيء، التي أشار إليها سيبويه فرضت انتظام التحليل النحوي فيما بعد، وهي بمعنى ما مبادئ استخدمت في شرح ما ينطق به المتكلم.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٣٢