تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عرض الكتاب المفاهيم النحوية

رتبت محتويات رسالة الكتاب لسيبويه (مقدمته) كما سماها الزجاجي، أو خطبته كما سماها ابن جني وحدد نهايتها ب «هذا باب ما يحتمل من الشعر»

16

على النحو التالي: (1) باب علم ما الكلم في العربية. (2) باب مجاري أواخر الكلم من العربية. (3) باب المسند والمسند إليه. (4) باب اللفظ للمعاني. (5) باب الاستقامة من الكلام والإحالة. (6) باب ما يحتمل من الشعر.

يمكن أن نرسم شجرة لهذا الترتيب، وبغض النظر عن الأبواب الثلاثة الأخيرة التي تمثل المعرفة النحوية الأحدث في تلك المرحلة التاريخية، فإن الأبواب الثلاثة الأولى تتضمن سلسلة من المفاهيم النحوية التي تكون عندنا فكرة عن أن سيبويه ليس نحويا يعلم النحو، إنما عالم نحو يفكر بالنحو وهو ما هيأ رسالة الكتاب لكي تكون موضوع تفكير آخرين إلى حد أن الزجاجي شرحها. رسالة الكتاب هي فكرته الكبرى التي سبق غيره إليها، وتحليلها سيظهر الانعطاف الذي أحدثه.

ما يثير الانتباه في الأبواب الأولى السبعة الأولى منها هو إشارتها إلى جوانب أساسية ومركزية في النحو الخالص؛ كالقوانين التي تتحكم في ترتيب وتنظيم وتركيب الكلام، وتفهم من باب المسند والمسند إليه، وباب الاستقامة من الكلام والإحالة، ومعاني الكلام أو دلالته؛ أي العلاقات بينه وبين الأشياء والأفكار، ويفهم من باب اللفظ للمعاني، وباب ما يكون في اللفظ من الأعراض، والأهم كون الكلام يوجد في مجتمع. كما أنها تعرض بعض المجالات العلمية المحتملة؛ كالنحو من حيث هو الاعتبارات الشكلية للكلام، وفلسفة اللغة وتاريخها؛ من حيث هي الطبيعة الرمزية للغة والعلاقة بينها وبين الحقيقة، وأنظمة الاتصال كالعلاقة بين المتحدث والسامع.

تعبر رسالة الكتاب عن جهد سيبويه التجريدي والمنهجي المختلف؛ أي إننا أمام فكر نحوي غريب عن الفكر النحوي المألوف آنذاك. ففي زمن لم تكن فيه المفاهيم النحوية محددة تحديدا جيدا حددها سيبويه بالأمثلة؛ فالاسم كرجل وفرس وحائط، والفعل كذهب وسمع ومكث وحمد واذهب واقتل واضرب ويذهب ويضرب والأحداث (المصادر) كالضرب والقتل والحمد، وما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل (الحروف) ك «ثم وسوف وواو القسم ولام الإضافة».

علام يدل تحديد المفهوم بهذه الطريقة؟ يدل على أن سيبويه يعي ما يفعل فبدأ بالتدريب على المفاهيم. يشبه هذا أن تعلم طفلا؛ في التعليم حين ننطق الكلمة (رجل) لتحل محل إنسان حاضر أمامنا، فإننا نوجه الانتباه إلى المفهوم (اسم)، وليس إلى استحضار الصورة الذهنية للرجل. وسيبويه حين يربط بين الكلمة وبين المفهوم فالهدف ليس استحضار الصور الذهنية للكلمات، مثلما تستحضر كلمة (رجل) صورة ذهنية إنما الكيفية التي تتدرب بها ليعرف المفهوم.

يرتبط هذا الأسلوب في التدريب على المفاهيم عند سيبويه بما يعرف في سيكولوجية التعلم ب «المفاهيم السيئة التحديد»؛ أي تلك المفاهيم التي تكون فيها سمات المفهوم غير واضحة. مثل هذه المفاهيم لا تعلم بالتعريف إنما بالأمثلة. مثلا لم يكن بإمكان سيبويه أن يعرف الاسم بأنه ما يدل على معنى بنفسه من دون أن يرتبط بزمن؛ لأن علم النحو ما زال يبلور مفاهيمه. لذلك فإن ذكر مثال للاسم هو الأسلوب المناسب، وهكذا الفعل والحرف. والمهم بالنسبة لفكرتنا أن تمييز سيبويه بين الاسم والفعل لم يكن تمييزا بإعطاء سمات محددة للمفهومين إنما بإخبارنا بالأمثلة.

يستطيع سيبويه في هذه المرحلة التاريخية من تاريخ النحو أن يورد كلمات مثل رجل وذهب واذهب ويذهب؛ لأن الجماعة النحوية العلمية اعتادت على أن تنظر إليها باعتبارها أمثله للاسم والفعل. أما مفهوما الاسم والفعل فلم تحن اللحظة لكي توصف سماتها المحددة بدقة. والحال أنه من المحال اليوم أن نتكلم عن مفاهيم كهذه من دون أن ندقق في سماتها. إن عددا من شروح كتاب سيبويه لا تتمثل غايتها في شرح وتوضيح ما غمض منه فحسب؛ إنما تتمثل أيضا في متابعة البحث في سمات المفاهيم النحوية وخصائصها المميزة، وإن كان سيبويه لم يذكر سماتها في المستوى نفسه الذي ذكره شراح كتابه فيما بعد، فإن هذا لا يمثل نقصا بقدر ما يكون ميزة تعطي مؤرخ النحو منطقة عمل؛ أعني كشف النحاة عن سمات المفاهيم بصورة تدريجية.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٢٦