تكون المفهوم النحوي في الكتاب
لا يمكن أن يكون تاريخ النحو غريبا غرابة تامة عن تاريخ علم التفسير وعلم اللغة. والعلاقة بين هذه العلوم الثلاثة لا يمكن أن تتصور في اتجاه واحد؛ وإن كان الاتجاه المعتاد أكثر عند الباحثين هو الاتجاه الذي يسير من التفسير إلى النحو، ويوفر لنا أحد الباحثين أمثلة
17
على أن تاريخ بعض المفاهيم النحوية كالنعت (الصفة) والخبر والاستثناء والعلامة (أثر العامل في المعمول) تجد بدايتها في التفسير، كتفسير مقاتل بن سليمان الذي يعد واحدا من أقدم التفاسير الكاملة التي يمكن أن يتتبع فيه مؤرخ نحوي نشوء بعض المفاهيم النحوية. ويعيد هذا الباحث كون هذه المفاهيم بدأت في التفسير إلى أن علماء البصرة في النصف الثاني من القرن الثاني من الهجرة اهتموا ببنية اللغة بالمقابلة مع بنية النص. وكانوا نشطين كونهم مختصين في تفسير القرآن الكريم، ولكنهم توسعوا في بحوثهم لتشمل الظواهر العامة في اللغة. وقد أثمرت هذه التطورات في أول كتاب عن النحو العربي، وهو الكتاب لسيبويه المتوفى سنة 793 ميلادية.
18
لكي نفهم كيف تكونت المفاهيم التي بدأ بها سيبويه كتابه؛ فلا بد من أن نحدد علاقات التعارض والتكامل بين المفهوم وبين جذره اللغوي، وأن ننصت إلى إيحاءات الفعل. هذه العمليات المعقدة في الانتقال من المعنى اللغوي إلى معنى المفهوم تسمى النقل المعرفي. لقد توجهت بعض الأبحاث اللاحقة إلى تحليل هذه العملية المعقدة، كأبحاث ابن جني في كتاب الخصائص، سأكتفي منها هنا بالبناء. يقول ابن جني: «وكأنما إنما سموه بناء لأنه لما لزم ضربا واحدا، فلم يتغير تغير الإعراب؛ سمي بناء، من حيث البناء لازما موضعه، لا يزول من مكان إلى غيره؛ وليس كذلك سائر الآلات المنقولة المبتذلة، كالخيمة والمظلة والفسطاط والسرادق ونحو ذلك. وعلى أنه قد أوقع هذا الضرب من المستعملات المزالة من مكان إلى مكان لفظ البناء؛ تشبيها لذلك - من حيث كان مسكونا، وحاجزا ومظلا - بالبناء من الآجر والطين والجص.»
19
ينتمي أصل كلمة البناء كما يشرح ابن جني إلى حياة الإنسان العامة (التعلم الحدسي) أي ما يقتضيه الإنسان في حالته الطبيعية. في مقابل هذا الإنسان يوجد الإنسان الخبير الذي عرف مفهوم «البناء»، ويستطيع أن يشغله بصورة ملائمة. ولكي أوضح هذه الفكرة فسأستحضر الطلاب الذين يفهمون بسهولة كلمة البناء في مجال استخداماتها اليومية، بينما يفشلون في فهمها في مجال النحو؛ لأن البناء في مجال النحو لا يعني ما هو مألوف للطالب في الحياة اليومية. وهكذا فالتفكير في اللغة تقره صياغة المفهوم؛ فما إن تنفصل الدلالة اللغوية لكلمة «بنى» عن عالم الأشياء والكائنات والمخلوقات، وبشكل عام عن الحياة الإنسانية حتى يتكون المفهوم (البناء).
حين بدأ سيبويه رسالة الكتاب بتحديد المفاهيم النحوية الأساسية، فإنه يعامل اللغة بوصفها ظاهرة بشرية لا ترتبط بما هو فوقي، كأن تكون من وضع الله. ما فعله سيبويه شكل من البرهنة لا يستحضر النصوص الدينية، إنما يستقصي كلمات اللغة ليصنفها إلى أسماء وأفعال وحروف. يرتبط بهذا ولا ينفك عنه أن تتخذ الرسالة شكل النثر، وأن يختلف شكلها النصي النثري؛ فلم تكون نصا سرديا إنما نص يعرض ويفسر ويعبر ويشرح. ولهذا النوع من النصوص علاقة بالكتابة؛ فسيبويه لم يكن ليستطيع أن يعرض ويشرح ما يفكر فيه كتابة إلا لأن الكتابة كانت قد خلقت نمطا جديدا من الخطاب، ومنطقا وشكلا جديدين من التواصل بين المؤلف وبين القراء.
20
إن المفهوم هو الفكرة التي تمثل كلية الخواص الجوهرية؛
21
فالعقل يشكل المفاهيم بأخذه عددا معينا من الموضوعات التي تمتلك خصائص مشتركة؛ أي إنها تتطابق من بعض النواحي، ثم يجمعها ولا يحتفظ منها إلا بالمتشابهات ليتأملها. وبالعودة إلى الأفعال التي سردها سيبويه في رسالة كتابه؛ فإن ما هو جوهري وكلي فيها هي أنها حسبما يرى «أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع».