تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

وقال الآخر: «من أراد أن يعمل كتابا في النحو بعد سيبويه فليستح.»

8

إن تسميته كتاب سيبويه ب «قرآن القوم»

9

لهي تسمية بالغة الدلالة في هذا المقام؛ حيث لم يحظ كتاب عربي بمثل هذا الشرف العظيم. ترتب على هذا التقدير أن كسب إنجاز سيبويه في الكتاب أنصارا دائمين من العلماء، وهو كسب صرفهم عن نشاطات علمية أخرى منافسة كلحن العامة ولحن الخاصة. ساعدهم على ذلك أن كتاب سيبويه كالكتب التي بنت نموذجا إرشاديا رحبا ومفتوحا لا يدعي أنه القول الجامع، إنما فتح الباب للمشكلات النحوية في مرحلته العلمية؛ لكي تناقش من قبل العلماء المشتغلين بعلم النحو في مفهومه الجديد.

تشكل بسبب نموذج سيبويه النحوي الإرشادي ما يسميه توماس كون «العلم القياسي»؛

10

أي إن النحاة انشغلوا بتنقية وصقل نموذج سيبويه النحوي الإرشادي، ونذروا له حياتهم العلمية. وما روي عن أن الفراء النحوي المرموق من أنه مات وتحت رأسه كتاب سيبويه

11

لذو دلالة كبرى على أن توجيه الفراء في البحث العلمي القياسي في النحو العربي كان في اتجاه الإبانة عما هو موجود في النموذج الإرشادي الذي بني مع كتاب سيبويه وبسببه. وهو ما يشير أيضا إلى أن المجالات التي يكتشفها العلم القياسي صغيرة جدا،

12

لكن في المقابل هناك «إحكام النموذج وحل بعض مظاهر اللبس المتبقية»،

13

وهو ما ينطبق على كتاب سيبويه ونموذجه الإرشادي.

معنى النحو بعد أن وجد دربه الآمن

وضع سيبويه النحو على درب العقل الآمن؛ أي العقل الذي يدرس اللغة من حيث هي نظام، ولا يضع في قضاياه ومسائله العلمية لحن العامة ولا لحن الموالي ولا إصلاح النطق ولا الحفاظ على اللغة العربية ولا تعليم النحو للموالي؛ إنما يضع في اعتباره دراسة قوانين اللغة العربية التي تمكن المتكلم من التعبير عن قصده. لقد وضع التركيب النظري لنحو الدؤلي بدون أن يتنكر له؛ فأن يقول سيبويه: «والله لأطلبن علما لا يلحنني فيه أحد»؛

14

يعني أنه ما زال يفكر في إطار فكرة الدؤلي ومعاصريه عن مهمة علم النحو. إنني أظن أن هذين النوعين من النحو؛ أعني نحو أبي الأسود المعياري، ونحو سيبويه الوصفي ضروريان لتقدم علم النحو. من يجرؤ من النحويين الآن على أن يتمنى أن أبا الأسود الدؤلي لم «يضع» علم النحو، أو أن كتاب سيبويه لم يظهر، وأن يكون اختفى بعد موته؟ إن لكل من المعيار والوصف النحويين دورهما، ومن المفيد لتاريخ النحو أن يبحث تاريخ تطورهما، وما قدمه كل واحد منهما. لا ينبغي أن نعتقد أن النظريات القديمة عقيمة وباطلة؛ لأن مسيرة العلم لا تقارن بالتحولات في مدينة؛ حيث تهدم البنايات القديمة لتحل محلها البنايات الجديدة، إنما يجب أن تقارن بتطور الأنواع الحيوانية التي تتطور وتنتهي إلى أن تصبح العيون العادية غير قادرة على أن تتعرفها، في حين أن العيون الخبيرة ستجد فيها دائما العمل السابق الذي قامت به القرون الماضية.

15

وإذا كانت عيون معاصري سيبويه عادية فقد وجدت عينا سيبويه الخبيرتان في نحو الدؤلي ما ينتفع به. وقد أدى لزومه الخليل بن أحمد الفراهيدي كما تكمل الحكاية إلى ما جعله يحدث انعطافا في فكرة النحو الأولى بفضل تأملات متجددة في اللغة لينجز بها كتابه، الكتاب الذي دشن فيه فكرة النحو الخالص، وأسس به فكرة دراسة النظام اللغوي ووصفه. وهكذا فإن فكرة نحو سيبويه ككل الأفكار التاريخية في مسار أي علم من العلوم؛ حيث تعيش الأفكار في وعي حامليها، ثم تندفع مثل غريزة من دون أن يستطيعوا تبرير ذلك. إن العقل هو الأداة التي توفر عليها سيبويه؛ لكي يقوم بهذا الانعطاف في تاريخ النحو العربي.

يظهر الانعطاف الذي أحدثه سيبويه في تاريخ النحو العربي حين نقارن النحو المعياري بالنحو الوصفي؛ فالنحو المعياري يجزئ الجملة؛ لكي يكتشف الصحيح والخطأ. نقطة ضعف النحو المعياري أنه لا يفهم النظام اللغوي، ولا يصف اللغة؛ ولهذا ظل موضوع النحو ناقصا. لقد ظن النحويون المعياريون كالدؤلي أنهم يعرفون اللغة؛ لأنهم تصوروها بمعيار الصحة والخطأ؛ لذلك كان على النحو أن يتطور في اتجاه وصفي لكي يجلو فكرة المعياريين الغامضة عن اللغة. وقد حدث هذا التطور بالرجوع إلى نظام اللغة وإلى المفاهيم التي تصفه. لقد كانت مهمة سيبويه الوصفية أن يعثر على مفاهيم علم النحو في نحو أبي الأسود المعياري. وإذا ما كان لي أن أصنف النحويين إلى فئتين هما عمال النحو وعلماء النحو، فإن أبا الأسود الدؤلي عامل من عمال النحو، بينما سيبويه عالم من علماء النحو، ومقدمة الكتاب التي سماها القدماء رسالة الكتاب أو خطبته هي دفاع مطول عن استعمال المفاهيم التي تكونت مما جمعه أولئك العمال المجتهدون والمثابرون.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٢٥